قناعاته و مجتمعه

يستيقظ من سباته متأخرا ، حيث أنه  في عداد ( العواطلجية ) – الذين أصبحوا على خلاف وسجال ونزال دائم مع الوزير الفذ “غازي القصيبي”- ، رغم عدم اكتراثه بوضعه ، فصباحه مساء ، ومساؤه صباح ، ولا يتعامل مع عامل الزمن إطلاقا ،فلا الدقيقة ولا الساعة أو اليوم يعني له الشيء الكثير ،فأمسه كيومه إضافة إلى غده  المجهول ، عقد علاقة حميمة مع عالمه الخاص في الانترنت ،فما أن ( يمسي ) حتى ( يصبح ) و وقته فانٍ خلاله ،يجوب الصحف الإلكترونية ، والمنتديات ، ولا يستغن عن بريده الإلكتروني ، المحمل بالسخرية / والصور المنوعة/والمقالات / وكذلك  مواقع التوظيف / كما لا يخلو من بعض الرسائل الدينية المطالب بإرسالها إلى ألف مليون شخص وإلا سيتحول إلى ( قرد بحري )  !

يشمر عن ذراعيه – بعد أن يحرق سيجارته المعهودة عند الاستيقاظ – ، وبعد أن يرتدي قناعه ( الانترنتي ) ، والذي طالما ارتداه أثناء جلوسه أمام جهازه الحاسوبي المتهالك ، ليطرق بعدها أحد المنتديات المحببة لديه ، فيجد موضوعا يطالب كاتبـه / ـته بحرية المرأة ، فيبحث ويستنتج ويحلل ثم يكتب صادحا مناديا بالوقوف إلى جانبها ، مستشهدا بالعالم الغربي الذي رآه من خلال الصور  ، ثم يقول ( يا أخي متى نتطور )!

يتناول كوبا من الشاي ، المزود بـ ( الليبتون ) الذي يعشقه ، ثم يعاود زيارة منتدياته المعتادة ، يقع ناظره على موضوع كتبه أحد المراهقين ، أفرط خلاله في مديح قبيلته ، كشر بوجهه المثقل بالنوم ، وشفط ( سيجارته ) الرابعة في ساعته الأولى من يومه المعكوس ، وذهب يحرر ويصوغ ألطف الكلمات النابذة لتلك التعصب القبلي ، مضيفا إليها آراء علماء ومفكرين ومثقفين مؤيدين لقضيته ، ناسبا حروفهم لشخصه ( الكريم ) ، ثم يعبس وجهه مجددا ، و يكرر ( يا أخي متى نتطور)!

أنهى جولته  ( المنتدياتية ) بعد أن أحرق ربع ( باكيت ) من الدخان ، فذهب مسرعا يقرأ مقال كاتبه المخضرم – الذي طالما كتب له عن همومه -، لتذهب عيناه لتقرير أعده صحافيا ( مضطرا ) عن أضرار الوجبات السريعة ، فوزع الشتائم واللعنات يمنة ويسرة ، معرجا على أن الشعب غير مثقف صحيا ، متجاهلا ( باكيت ) الدخان الذي أشرف على إحراق نصفه ، ثم يضيف “لزمته” الدائمة ( يا أخي متى نتطور )!

أغلق جهازه الحاسوبي – بالتعليق على زر الإغلاق – ، غير مباليا بآلية التشغيل والإغلاق ،رمى قناعه ، ثم أرتدى شماغه وعقاله ، مع بعض الميلان للأخير ، حازما أمتعته ، متوجها لاستراحته – بيته الثاني – ، يصل مسرعا ويسأل صحبته قبل أن يقرأ عليهم السلام ، ( فيه شيشة ) ؟ متناسيا زعله المفرط أمام تقرير ذلك الصحافي المسكين!

يتبرع أحد الموجودين باختلاق موضوعا للنقاش ، ولسوء حظه فقد ابتدأ بالحديث عن حقوق المرأة ، ليباغته صاحبنا ( العاطل ) ،ويتشدق بقوله بأن تلك الأفكار من ذوو الفكر العلماني والليبرالي  ، متناسيا غير ( ناسيا ) بحثه الطويل عن هذه القضية أثناء ارتدائه لقناعه المحبوب !

ولأنه عايش اضطرابا داخليا ، بسبب اصطدام قناعه بحقيقته حاول جاهدا تحوير النقاش لقضية جديدة ، ليصطدم بأحدهم يثني على شاعره المفضل ، من القبيلة الفلانية ، ليسهم بعدها ( صاحبنا ) في التمجيد والتأكيد لقبيلته واضعا كلمات مثقفيه المسروقة على جانبه ، و محاولا مجددا تغيير مسار النقاش ، منوها بعد كل سيجارة  وعبارة ( يا أخي متى نتطور )!!

ولأن صاحبنا يعايش تخبطا و يحمل تناقضات في داخله ؛ فهو يخشى مجتمعه ، أيا كانت فكرته ، وقناعاته ، وثقافاته ، فهو أجبن من أن يطرحها ، فهو لا يزال يمتلك قناعه حتى إشعار آخـــر ….

اترك تعليقك على المقال تعليق واحد

  • أحمد بن عبدالعزيز بادريق

    صراحة موضوووووووع رهيب ومن اجمل المواضيع اللي كتبتها يا أمجد
    هذا راح يكون علامة فارقة في كتاباتك

    ومع الاسف هذا واقع الكثير من الشباب وانت وضعت يدك على الجرح

    أشكرك على الموضوع الجميل جدا

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام