متيقن منذ فترة ليست بالقريبة أن المدن لا تبق إلا بالكتابة، و أن أسرارها / وتفاصيلها / وأفراحها / و”خيباتها” لا تنسج إلا عبر التخليد؛ بغض النظر عن نوعية الكتابة، وكيفيتها، والزمن المصاحب، أو حتى الظروف، فحتى الاحتفاظ بجزء منها في الذاكرة لهو كتابة من نوع خاص لحروف متراصة بلا أحبار. هي المدن كذلك، تماماً كالنساء، تحتاج من يدللها لتعطيه، ويساير “مزاجيتها” لترضى عنه، ومثلها أيضا في الاحتضان، فكلما احتضنت المرأة أكثر ازدادت غموضاً بشكل أكبر رغم أنها لا تزل في محيطك، تشاركها المدن هذه الخاصية أيضاً.. كما أنني مؤمن بأن “الاحتضانات” الأنثوية تصبح أكثر عمقاً عندما تباغتنا بلا مقدمات ومد للأيدي من مسافات، وللمدن ضوضاء الاحتضان عندما لا توعدنا بذلك .. وكما أن المرأة تمنحك (الخيبات) جراء تفاصيلها الصغيرة، فالمدن تسايرها بتوازٍ في هذا الاشتراك، فكما تحتل الأفراح زوايا عدة، فللنكسات والآلام عطائاتها.
بعيداً عن المرأة، والتي تأبى إلا أن تشارك في كل التفاصيل، تحضر أحياناً بدكتاتوريتها، بينما تأتي في أحيان أخرى بدلالها الذي لا يرد.. هنا لندن، كل شيء مختلف، تلك المدينة المكتظة بأرواح تعبد الكثير من الديانات، وتتحدث الكثير من اللغات، وتحتضن كل الألوان، غير مبالية بالتصنيفات، ولا تعنيها خلفية الثقافات، فهي تقوم على الإنسانية والنظام.. من كل الزوايا تغلفها صور أميرها المدلل “وليام” و زوجته، ويطغى حضورهما كل تفاصيل المدينة، وكأنه زواج المدينة..
تبدو استثنائية هذه المدينة، بتاريخها وحضارتها، ومكانتها، فالحديث عنها يحتاج إلى اعتناق لديانة روحها، والمكوث بها زمن يوازي العقود و أكثر، فالحكم عليها من خلال أيام يعتبر إجحافاً لها، خاصة وأن الكثيرين غازلوها كثيراً، و صوروها بأرواحهم وحروفهم و تقنياتهم، لكنهم لم يمنحوها بعد ما تستحق.. لست أنا من سيفعل، لكني سأكتبها لأكتبني، فقد اعتدت أن أكتب المدن بمنظوري، فزوايا الرؤية تختلف من شخص لآخر، وحتى الأشياء يختلف أسلوب نهجها عندما يتناول الناس باختلافاتهم.. أبدو مكثراً في مقدمتي، لكني أكتب بشعور دون تحفظ.. حسناً، سأبدأ، اليوم الأحد.. لا أحد لم يسمع عن زاوية الخطباء “Speakers Corner” تلك الزاوية القابعة في حديقة (الهايد بارك) الشهيرة، والتي تُنثر من خلالها حرية الرأي، فكل واحد يأتي ليقول عن ما يشاء حول أي شيء، وللناس حق الاستماع من عدمه، لك حق الإصغاء، واختيار من ستصغي إليه.. ولك حق أن تجادل، طالما أنك لم تقفز عبر سياج حريات الآخرين.. فهذا رجل صيني الملامح، يتحدث بحسرة حول الحب، ويطالب الناس بالحب، وحوله من يستمع، ومن يضحك بسخرية، ومن يصطف ليسترجع “خيبات” الحب، ومن يمسك بحبيبته، مستمتعاً بالحب صوتاً وشعورا.. بجانبه يقف آخر، يقول أنه الرب، وأنه لم يكن هناك رباً قبله، يشرح بإسهاب نقاط إقناعه للملأ، غير مبالياً بما يدور حوله، وكأنه في فيضان “كلامي” منصباً بقوة ..! في الزاوية القريبة منهما، يقبع رجل أسود بملابس غريبة، أشبه بالشخصيات الكرتونية، يتساءل عن عدم ولادة الأطفال “السود” بشكل جميل.. ويكرر التساؤل، والصراحة لم أستطع فهم ما يود إيصاله للعامة .. في طريقي لترك المكان، استوقفتني مجموعة غير منظمة، يقف أحدهم في المنتصف، والآخرون (متحلقون) حوله، وأبى فضولي إلا أن يستوقفني، وإذا بهم مسلمون يتناقشون بالعربية، فالمتوسط لهم يقول أنه لا يوجد ما يسمى بالمهدي المنتظر، و حوله العشرات يخالفونه الرأي بطريقة أشبه بـ”الهمجية” للأسف!، ومضيت من عندهم دون اكتراث ولا أعلم من أقنع الآخر ..
إلى اللقاء،،

التعليقات اترك تعليقك على المقال تعليق واحد
نعم اخي امجد
هذه مدينة تجمع كل الاعراق والحضارات انها المدينة التي تختصر لك مدن العالم ,فيها شاهدت القاهرة التي اعرفها ,ولامست صفا خدي الدار البيضاء ,وعرفت من اين ولدت دبي , حتى برد اسلام اباد كان موجودا ,وتفاصيل بومبي العريقة شاهدت فيها سحر الشرق .لكنني لم اشاهد فيها من السعودية الا شارع التحلية في الرياض فقط ؟
ملتقى كل الحضارات والشاهد في ذلك ما ذكرته اعلاه عن Speakers Corner
وايقنت ان زيارتها واجب لكل من اراد ان يعرف اين يقف من خارطة العالم
ليلها حالم ونهارها واجب مقدس
اتعبتني لم اكتب من زمن طويل لكنني ارتأيت انها تستحق الرد