أيام في لندن (2)

بعد إلحاحهما وشعوري بأنهما افتقداني قررت  من جديد أن اختلي بهما [نفسي/ وجهازي الحاسوبي]، مغلقاً هواتفي النقالة، بعد أن منحني طبيب الأسنان جرعة من اليأس، ذات دلالات وإيحاءات بأن الزمن يجري سريعاً مقتصًا منا، يطالبني بخلع أربعة من أسناني، وكأنه برسالة غير مباشرة يقول بأن الأسنان تقابل سنوات العمر، فمهما حاولنا التغاضي عن الرقم؛ فالمؤشرات تدعم بقوة هذه النظرية..

بعيدًا عن هذه الزاوية المظلمة،ومع ملامسة سمعي للموسيقى المحببة لي، ومداعبة تلك الصور لذاكرتي ، قررت مواصلة كتابة المدينة الضبابية التي قمت بنشر مقال سابق عنها منذ أسبوع، لكني وسط شارع هذا القرار توقفت عند إشارة الحيرة، متسائلاً عن اتجاه الحديث الذي سيزف حروفي لكم، بعد أن تترجم ما أخبئ من نظرة مختصرة عن مدينة متمردة الحدود، فنقطة الانطلاق محيرة حيث شوارعها الكثيرة، والمنظمة رغم صغر حجمها، و زواياها الموزعة والفاتنة، و “يومياتها” التي تلف الكثير من القصص المرسومة بريشة التخطيط… حسنًا، سأبدأ من مقهى الفندق الذي أسكنه، فكل مواقف الصباح ترسم ابتسامات مخفية على مباسم البشر، فجلوسي لاحتساءالكابتشينو” كفيل بمنحي تذكرة مرور إلى أعماق المارة عبر بوابة وجوههم التي تشرح(غالباً) تفاصيل مغيبة، و تبدو كعلامات تفصل ما بدواخلهم.. فهناك بالزاوية القريبة لطاولتي، يقف شاب بصحبة “كاميرا” احترافية، يوجه عدستها في وجوه الجمال، منتقياً أجمل ما رسم هذا الكون، موجهاً بها نحو الخضرة تارة؛ ونحو الجميلات تارة أخرى، تاركاً انطباعاً عندي بأن حب الشيء يجبرنا على تحمل كل من أجله، فها هو يصحو مبكراً ليس للعمل، وإنما لملاحقة الجمال.. لكن تحليلاتي لم تستمر طويلاً في الصحة، فما هي إلا دقائق؛ وإذا بعشيقته تصل لزاوية الموعد، ليغرقا بعدها في بحر من العناقالعشقي”، مما يسبب في منح الكاميرا وهوايته الكثير من التجاهل، واستبدال الجمال بمنظور عدسته إلى ثقب الحب .. تباً للنساء، وحدهن القادرات على استبدال كل شيء، و تعويض الرجال عن كل شيء، و منحهم الأهلية لأن يصبحوا كل شيء .. على الأقل لديهن !

خمس دقائق فقط، هي المدة الفاصلة للنظرة عبر نافذة حب الشباب و حب الوفاء الذي يحاول الزمن رسم ثقوب الجفاء عليه فيفشل، من خلال نفس الزاوية التي كانت تحتضن قبل قليل مراهقة شبابية هي نفسها تستجيب لوقوف مسنين حاولا الاستراحة بعد مسيرة تعب، وجوههم تلوح بتجاوز العقد السابع؛ إلا أن كل هذه الأيام لم تفلح في منح حبهما تاريخاً للانتهاء ..

عشرة دقائق فقط، لم تكن فارقة لموعد غرامي ثالث، بل هي المدة التي احتجت للوصول من مقر قراءتي للوجوه إلى إحدى دور النشر العربية الشهيرة، المغرقة بكافة الأعمال التي لا تتوفر كثيراً في بلدان أخرى، وبالتحديد هنا في مملكتنا.. ركن كامل يعج بأشهر الروايات السعودية، والممنوعة داخلياً، مما يمنحهم الأهلية في استغلال القراء بإعطائها أسعاراً فلكية.. ! وكل هذا محرض للتساؤل، لماذا لديهم وليس لدينا وهي من إنتاجنا ..! لماذا يقتاتون من عرق مثقفونا في الوقت الذي يمنع أبناءنا عن مصافحة هذا الجهد .. هل حقاً نخاف الكتاب ؟!

أهرب من هذه التساؤلات، عبر الخروج من الدار، مسرعاً خطاي نحو الحياة، ومثقلاً بجدية الصباح المرسومة على كل جدران المدينة/ و وجوه المارة/ وصراحة المواعيد.. أفتش “بفوضويةفي حقيبتي عن خارطة المدينة، حتى أتمكن من استقلال القطار الصحيح، فأنا على موعد مع الكثير من الجمال المنحوت على حواف القضايا والأماكن .. وكذلك النساء!

افتتح النقاش على هذا المقال بتعليقك. ليكن أول تعليق

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام