أيام في لندن (3)

تأبى عجلة الأحداث إلا أن تزج بي بعيداً عن سلسلتي الحرفية؛ والمتمثلة في رسم “مدينة الضباب” عبر أمواج (جملية) ملتقطة من كاميرا أحد البحارة الملايين الذين أبحروا عبر محيطاتها، ولكني لم أستسلم لهذا القرار وحاولت التملص ومنحي القوة الذاتية لإكمال مسيرة الحرف، وحلقت من جديد في أزقتها، و “رافقتني” مع ذاكرتي لرصد تفاصيل اللحظات التي  لم تمهلني كثيراً؛ وفي الوقت ذاته لم تعتقني لأن أسبح خارج “فضاءاتها”، فها هي ترافق على الدوام وتحرض على المغازلة من عدة زوايا ..

يقف الآن ثقب الذاكرة في المنطقة التي يقبع بها (برلمان مملكة بريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية المتحدة ) وهو بحسب موقع “ويكبيديا” الشهير :”هو أعلى جسم حكومي في المملكة المتحدة والمقاطعات البريطانية عبر البحار، هو وحده لديه الحكم البرلماني، والذي يجعله أعلى قوة فوق كل الأجسام السياسية الأخرى”.. هنا تكون مخططات عملية دفع الاقتصاد العالمي وسياسته، و تقاسم تنظيم سير السياسة في شارع الأرض مناصفة مع حليفتها الدائمة أمريكا، فمن خلال هذا البرلمان تتخذ معظم القرارات التي من شأنها أن تعبث بتاريخ الحضارات، و جغرافية الدول.. أتذكر جيداً ذلك الطابور الطويل الذي كنت أحد أركانه أمام مدخل هذا البرلمان، في الوقت الذي كان فيه المطر يسقط بغزاره غير مبالي بكل الإجراءات الأمنية والسياسية التي من شأنها أن تستوقف الزائر ما يقارب الساعتين في الخارج ومثلهما في الداخل، بعد أن يتم عبوره خلال عدة نقاط تفتيش أمنية تتخللها الفحوص الذاتية، والصور الفوتوغرافية.. و قائمة من التعليمات المقدمة من خلال القائمين عليه بعدة لغات ما عدا العربية ! وهنا، لا بد أن نلتمس العذر لهم، فالعقول المفخخة تعج بكل أرجاء المستديرة، و “تطرفاتهم” تغيم كل نقاء وصفاء.. أيضاً لا بد أن نكون ممتنين لهذا القبول، فالكثير من المجالس المماثلة في بعض البلدان الأخرى هي بمثابة الـ”تابو” فلا أحد يعلم ما يحدث تحت قببها إلا من خلال الإعلام ! الآن، أجلس في أحد الكراسي التي تطل من الأعلى من خلف زجاج على البرلمان، أبدو محظوظاً بعض الشيء –  على غير العادة  –  فالجلسة ساخنة تناقش الأوضاع في ليبيا، وممثل الحكومة يحاول أن يكون حصيفاً في الاستجابة والتجاوب مع الأسئلة التي (تنهال) عليه كالرصاص.. كنت معجباً بقدرته على استيعاب الموقف والقدرة بدبلوماسيته على تجاوز كل العثرات الاستفهامية، حتى وإن لم أتفق مع إجاباته فيكفي أنه قادر على أداء وظيفته بكل احترافية.. لكن هذا لم يدم طويلاً، حتى اعترضه رجل هرم متشبع بالقضايا السياسية، ويبدو من طريقة عرضه أنه الغارق بتحليل تفاصيل تفاصيلها، فقد أربكه عندما خاطبه بلغة حادة تفتقد المجاملة.. قائلاً : زججتم ببريطانيا بحرب أفغانستان، ولم تكتفوا بذلك بل شاركت كطرف في حرب العراق، وها أنتم تقررون إقحامها في حرب لا علاقة لنا بها في ليبيا، وتتجاهلون أنه ومن يوم ذاك القرار وشبابنا يدفعون فاتورة ذلك بأرواحهم في جبال أفغانستان ومدن العراق!. هنا لم تكن الإجابة على قدر عمق السؤال، فقد تم تضميد نزيف الاستفهام ببعض قطن السياسة المتمثل في أمن الدول، والحرية .. التي تشبه المطاط المرتسم بحسب استخدام مغتصبه ..

أهرب من البرلمان سريعاً، فلست هنا للتفتيش في القضايا السياسية، ولكنه الفضول الصحفي يرافقنا (للأسف) حتى في أدق التفاصيل.. أخرج، أقف تحت ساعة لندن الشهيرة “ big ben” والتي تبدو ملتصقة في البرلمان وتقف في أحد زواياه، أدعي مقدرتي على التصوير باحترافية، محاولاً توثيقها من خلال عدة زوايا.. متجاهلاً أن التصوير الحقيقي للندن كافة هو عبر عدسة العين من خلال عين لندن “ London eye” والتي تتكفل بحملك إلى ما يعلو أفقك من أحلام الجمال، تمنحك أبجدية قراءة الأرض بلغة السماء، لكنها لا تفتى حتى تعيدك إلى المادة المقروءة بصحبة رزمة من التساؤلات.. عن تلك اللغة !

 

افتتح النقاش على هذا المقال بتعليقك. ليكن أول تعليق

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام