سرير الحرية !

مستفزة هي الشعوب العربية، تدعي التظلم من حكامها، وتبكي الليالي على حالها، وتنثر الأنين في كل جنبات الأزقة، اعتادت أن لا تفعل سوى الحديث، متمثلة في التشكي والتنظير والتأفف، كحال حكوماتها في الاستنكار والشجب والرفض، و هو ذاته سلاحها –  الشعوب –  في التعاطي مع كل محنة، هي كانت كذلك لعقود؛ بيد أنها غيرت منهجيتها في التعامل ولم تتخلَ عن مسلسلها في الاستفزاز، استبدلت الحديث بفعل، و تمردت على خوفها وذاتها وصمتها و خنوعها، جاءت غرة هذا العام بثوراتها، ورمت كرة الثلج التي لا زلنا نراقب سقوطها، نجحوا في تونس في منح بن علي شهادة “الجبن” الموقعة بخزي التاريخ، واستطاعوا باحترافية أن يزيحوا مبارك ويوقفوا زحف جبروته، هم الآن “كذلك” يدفعون كل يوم أرواحهم في سوريا من أجل كتابة تاريخ جديد، يقفوا “أيضا” شوكة في حلق النظام الليبي الطاغي، يتباينون في اليمن في مجابهة التغيير، لكنهم جميعاً وقفوا على وثيقة التجديد التي ستنشر في كتب التاريخ. 

جُلنا يعايش التغيير أعلاه، لكن المحزن هو درجة العاطفة التي تغلب على تلك الشعوب، وتزيل كل زوايا العقلانية، وترجح بكفتها على كل ما سواها من المنطق، وجدناهم في أول اختبار يتراجعون ويتناسون، و يلغون مواثيق وقوعها من ثوار غادروهم قريباً، تعاهدوا جميعاً على التغيير، حتى وإن كانت بعض الروايات تمثل الدعم الخارجي بأنه هو الأداة، لكن الأهم هي إرادة الشعب الذي نسج كلمته في روح شبابه.. في مصر، كان مشهد مبارك وهو يقول: (أفندم)! توحي بالنصر ولو كان مؤقتاً، رسالة عميقة مثقلة بالكثير من العبر، احضروه خلال أشهر للمحاكمة بمحاكم شعبه، استبدلوا سريره الوثير بسرير أبيض لا يستطيع مغادرته حتى في الأماكن الرسمية، رفعوا علم الانتصار، و ألغوا كل أعمدة الخوف المنثورة في ساحات عقولهم .. لكن المصيبة عندما خرج المتشدقون المطالبون بالرحمة، مرددين : ” أرحموا عزيز قوم ذل”، ومطالبين بالاكتفاء بالإزاحة، وأن المحاكمة هي إهانة للعرب، ولا أعلم عن أي عروبة يتحدثون! يعتقدون أن الأشياء تأتي بلا ثمن، وأن الحريات المنصوبة في زوايا المستديرة جاءت بلا ثمن / ولا دم / ولا أحرار .. يستبدلون القلب بالعقل مع جبابرة عطلوا القلب والعقل! جاؤوا ليمثلوا مصر بالعراق؛ غير مفرقين بين آلية التغيير، والجهة المحاكمة، حاولوا العزف على أحزان العراق ليظفروا بنصر موهوم لمبارك، ولا أعتقد أنهم قد تناسوا عبارة : الشعب .. يريد التغيير !

قبل أن أختم آثرت أن أستبيح لهم عذراً، فهم لم يعايشوا مثل هذا من قبل! لكني لا أعتقد أنهم لم يقرؤوا التاريخ؛ ففي قصة الديكتاتور الروماني (نيكولاى تشاوشيسكو) خير مثال قريب ومشابه، وذلك بعد أن وصل الشعب لدرجة عالية من الفقر قامت ثورة شعبية في ديسمبر 1989 بمدينة تيميشوارا في غرب رومانيا ثم  انتشرت لمدن أخرى؛ حتى وصلت لانضمام عدد من وحدات الجيش للشعب، عندها حاول الهرب هو و زوجته بطيارة هليوكوبتر لكن الثوار قبضوا عليهم وحاكموهم محاكمة عسكرية سريعة استغرقت ساعتين ثم أعدما رمياً بالرصاص.. وكذلك الديكتاتور الإيطالي (بينيتو موسوليني) وما حدث له في أواخر عهده عندما حاول الهرب مع عشيقته (كلارا) باختبائه في مؤخرة سيارة نقل متجها إلى الحدود ولكن السائق أوقف السيارة وأمرهم بالنزول وأخذ بندقيته وأخبرهم بأنه قاتلهم باسم الشعب الإيطالي، بعدها اعتقلا في دونغو عندما كانا يحاولان الفرار إلى سويسرا وتم نقلهم ليـُـشنقوا مقلوبين من أرجلهم في محطة البنزين في مدينة ميلانو.وتعتبر هذة الطريقة في الإعدام مخصصة للخونة في روما القديمة..

 

بالخط العريض:

.. وتبقى الحرية ثمن ينتزع من الراقدين على الأسرّة .. مهما اختلفت ألوانها !

اترك تعليقك على المقال تعليق واحد

  • قمة الابداااااع اخي امجد
    لاتحرمنا من خربشااااتك لانهااا قمة المصداقية في عالم غلب عليه المظاهر والشعارات والخطب الرنانه

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام