زحمة وجوه وعابرين ..

تعتبر المطارات هي أجمل مكان في العالم يمنحك تذكرة مرور لقراءة وجوه مرتاديه من وجهة نظري، بمختلف الأعمار والألوان والجنسيات والأديان وحتى وجهة الرحلات.. في كل مرة أسافر مجدداً أحاول التحليق الأرضي عبر الوجوه قبل أن يُحلق بي بعيداً عن الأرض والوجوه.

أحاول باحترافية التلصص على تفاصيل وجوههم علني أظفر بمعلومة حديثة تشبع فضول الصحفي بداخلي، أو تجيب تساؤلات السائح المهرول خلف كل ما هو استثنائي  والذي يسكنني، أهرب من الوجوه المكفهرة حتى لو كانت ذات ابتسامات روحية وأداهم تلك المزخرفة ببسمة؛ أو الهادئة المنشغلة عن تلصصاتي، فلغة التخاطب هنا ظاهرية؛ حيث الوجوه .. والوجوه فقط !

ها هو بجانبي، و زوجته بجانبه كما يبدو، وأطفاله يتحلقونه، يتحكمون بمستوى صمت المكان، يخفضون الصوت تارة ويعلونه تارات أكثر .. يبدو منزعجاً، والهموم تحتله كما استقرؤه.. يغمره القلق حول مستقبل أطفاله، يزعجه التفكير بتأمين وظائفهم وتزويجهم، ويخشى نضوجهم المرتبط بشراء مركبات، غير متناسٍ للأقساط والديون وأجار منزله المتواضع..

في الزاوية المقابلة له تماماً؛ يجلس آخر وحيداً لُحف بالطموح، والأماني في طابور طويل عند بوابة شبابه، يعبث بهاتفه ملياً، يهاتف أحياناً ويداعبة أحيان أخرى، يظهر كعاشق يقف في منطقة معزولة بين التوديع والانتظار، عبثه بهاتفه يتوازى مع قلقه حول وظيفته مع مديره المتسلط، لكن رغم كل هذا فذرات الأمل والطموح تغيم جُل محيطه..

وهناك في الزاوية البعيدة – حيث تذهب عيني الأمارة بالسوء كثيراً – فتاة وحيدة برفقة جيش من الحقائب،  كل وقتها استثمرته في البحث المتواصل والجاد بين دهاليز حقائبها.. تنثرها ثم تعيد ترتيبها، اعتقدت كثيراً أنها تفتش عن مفقود؛ وخمنت أكثر أنها تحاول مجابهة ملل الوقت، لكن الاعتقاد الأكثر قرباً لتصديقه هو صعوبة التنبؤ لبنات حواء، فعدم معرفة ما يجول في خواطر النساء التي نعرف يثبطنا عن ملاحقة شؤون من لا نعرف!

مزدحمة داخلي وحولي هي العينات الكفيلة بالقراءة والتخمين والتحليل والدراسة، الكثير من الأطفال والرجال والنساء والشيوخ و رجال الأمن وموظفي المطار بمختلف مهنهم، لكن هناك شخصية أراها دائماً؛ أحاول قراءتها فتهرب مع كل محاولة، وتغيب عند كل تخمين، وتختبئ غالباً بين ضجيج المارين، سأترك الوجوه لأصحابها لألاحق هذه المندسة بين زحمات الحياة لأخبركم عنها مستقبلاً.. سأبحث عني، لأقرأني / وأكتبني .. وأشبع كل التساؤلات بداخلي لأجدني!.

11-11-2011

اترك تعليقك على المقال 3 تعليقات

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام