.. و توقف العزف !

و قبل أن يقلع كابتن الطائرة من مدرج المدينة التي ولدت حبهما، وشهدت على تفاصيل عشق جاء سريعاً فاختطفه القدر منهما، أخرج أوراقاً قديمة مدفونة بين حفنة من الكتب غطتها حروف منفية، بحث ملياً عن مساحة فارغة في زاوية قصية وأخرج قلمه و راح يكتب:

هذه الرحلة الأولى لي بعد الرحلة الأولى لنا؛ و رغم حداثة التجربة إلا أن شعور حضورها ملتصق بي على الدوام، أشعر بصعوبة السفر وحيداً مجدداً رغم كل قنوات الترحال التي قطعتها متفرداً.. في هذا التوقيت تحديداً؛ وعندما يبتدئ الركاب بالعبث بالصحف للالتهاء عن الوقت، ويقوم الملاحون بعمل جولة أمنية يضمنون من خلالها تقيد الجميع بوثائق السلامة، وتمتلئ صرخات الأطفال وسط موجات توسل من أهاليهم بأن يلتزموا الصمت، كنتِ أنتِ  معي بروحك، بذات الوجود لرحلتنا.. مغايرة في طقوسك وحضورك، وحتى جلوسك الملاصق؛ وخوفك المغلف بابتسامات مزيفة لتغطي ثقوب القلق، وقتما كانت يدك تتشبث بذراعي بقوة كبيرة، وتحتضنها طردياً مع تسارع الإقلاع، حتى أظافرك باتت هي أطراف الأمان دون أن تتيقني ذلك، تغرسينها بقوة دون أن تشعري، راسمةً لوحة جميلة بألوان الرعب عنوانها الحياة على ذراعي .. أتذكر جيداً أنني لم أكن أتألم، كنت مبتسماً قلقاً، فرحاً بك خائفاً عليك.. شعور مزدوج أقاتل من أجل وصفه؛ لكنه كان جميلاً.. كنت في عالم من السعادة لا أعلم لمَ وكيف، كل ما أتذكره جنان الفرح التي كنت أتجول بها !

حتى هنا لا مشكلة، فإقلاعي لن يدوم، سيهبط الكابتن بعد سويعات، عندها سأعود أنا الملازم والملاحق لك، والمتابع حتى في أضيق دهاليز الحياة .. لكن مع ذلك تحتلني جيوش من القلق، أختنق وأرتبك وأتوقف عن كتابتك، وأعود لأكتب توقفي عنك بسببك .. يشغلني على الدوام إقلاعك الذي لن يهبط، و رحيلك الذي بات يلملم من تبقى من تفاصيل الحب، وحقائقبك التي أقفلت بالتزامن العكسي مع حزني، تبدو الأيام ظالمة، فقد منحتني مدة شهور ومضت كأيام، مرت سريعاً لتأخذك، غير مكترثة لتوسلاتي وضماناتي و وفائي، أرأف علي كثيراً، وعليك وعلينا .. أشعر بيوم سفرك كموعد مجرم قادوه إلى ساحة القصاص، أبلغوه عن الحكم قبل ما يربو على العام لكنه كان يمني نفسه بآمال وهمية، لكن الأيام زارته تباعاً.. تماماً مثلي، عندما كنت أكذب عليّ، وتساهمين بالمساعدة ضدي بتواطئّ، نلتهي عن العد لنصنع الجميل من اللحظات ونعود لنعد عندما يلتهي عنّا القدر .. خربشتاتك وحروفك المقلوبة وعطورك وعلب الشوكولاته المنثورة، بعضاً من الأقلام والصور .. موسيقاك، كلماتك الخاصة، كل اشراقات الجمال التي شهدناها معاً، خجلك الجريء وجرأتك الخجولة، كل التناقضات والتصالحات في عالمك، أنا الساكن بك.. و ذكريات أعظم من حرف ينثر.. تذكرت، ضفدع السلام الذي تعشقين ..

بالمناسبة، أكتب لك الآن قبل شهر من رحيلك، وسيجيء رحيلك بمثابة الغد.. سأحتضن هذه القصاصات لأخبئها في ممرات حقائبك، لتقرئيها يوماً قبل أن تتحضري للقاءنا في الثالث من آب !

اترك تعليقك على المقال 2 تعليقات

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام