كعادته الصباحية ـ التي انتهجها منذ تعاقده مع فراغ أيامه ـ استيقظ باكرا، اغتسل وهذب ما تبقى من أبيض الشعر، ووقف مزهوا بذاته أمام المرآة، وحاول الابتسام في وجه التفاصيل المرهقة المرسومة على وجهه.. ووجه الزمن منذ انخراطه في مسلسل الموت، وبدأ بعدها ممارسة كل طقوس قاتلات الوقت، عبث في تقليب الصحف، وفتش عن صورة منسية له على الزمن تذكره “بخطأ مطبعي”، وتوقف عند زوايا “الكلمات المتقاطعة” كثيرا.. زار كل القنوات، وتفحص كل المذيعات الجميلات.. وغير الجميلات، عاد لدفاتره المهجورة، بحث مليا عن كل ما يستفزه للعودة، حاول السباحة مع تيار الذكريات، لكن جليد الواقع حطم مركبة أحلامه!
قرر أن يقضي بعضا من وقته في ممرات “الإنترنت”، فهو المتصالح مع التقنية مؤخرا، والمصافح لكل مستجداتها بعد أن بات وحيدا في مواجهتها.. راح يتنقل من صفحة لأخرى، ومن موقع لغيره، متطفلا على كل ما هو جديد، وكاتبا بعض ما يعتقد أنه جديد، ومناقشا كل ما يعترض طريقه.. عن هموم الناس والفن والكرة والاقتصاد، وكل ما لا ينتمي لأي ركب.. استقر أخيرا، فتح صفحته في موقع التواصل الاجتماعي، بدأ حديثه مع فتاة وكل ابتسامات الكون تستعمره، وروحه تتراقص طربا، وحروفه تزينت بالجميل من المفردات، وبدأ يثرثر كما لو كان في غير عمره.. لم يكن يبحث عن لقاء يرد له ما غاب من عمره، أو حبا يستفز ما تبقى.. ولم يكن يغريه الجنس! ليس مستعدا لمغامرات الحب، أو جنون المراهقة والصبا.. لم يكن يبحث سوى عن رعاية واهتمام، كان يبحث عن وطن يحتضنه، بعد أن نفاه الوطن، ورماه على قارعة الأيام، وعاد ينقب عن كل ما يحفزه على البقاء، ويمنحه حياة.. وأملا !