لم تعد تمطر !

.. كان راكضاً يصارع المطر بلا مظلة عازلة عن تدفق السماء؛ يفتش بين المركبات عن سيارة أجرة تنقذه قبل الغرق في المطر و في وحول الفكر ! القدر يبدو مبتسماً له على غير عادته، ها هو السائق الهرم يتوقف عنده رغم تأخر الوقت، ببرودة يسأله عن وجهته، وبتثاقل كهل يسير، ركب بصمت، يزور بنظره عقارب الساعة كل عشر ثوان، في كل مرة يعتقد أنه بات متأخراً، وأن قمر الموعد قد غاب !

لازال لا يعلم لم هو ذاهب؛ فبرغم الرغبة الكبيرة التي تؤججه، كان حريصاً أن لا يضيع الموعد حتى والتردد يسكنه.. يقارن بين الزيارة الأولى والثانية وكمية التاريخ بينهما، لم يكن التاريخ رقماً بل أحداثاً غيرت جغرافية كل منهما ..

هناك أقصى اليمين، عند وكالة السيارات الشهيرة ثم اتبع اليمين مجدداً .. فقط هنا” ترجل الآن، وبسرعة قصد الشقة المقصودة الموشومة بذات الرقم الذي يحفظه جيداً وسأل عنه مجدداً مظهراً عدم الاهتمام !

البناية يستعمرها الصمت، والأضواء تبدو خافتة والمساء يغطي كل مساحات الفراغ .. الباب غير موصد، وكأنه مبتسماً قد هُيئ لاستقبال ضيف قديم، أو عاشق أقلع عبر محطات الغياب، دفع الباب بشوق وتردد و دخل ليجابه طوفان جارف من الاحتضان.. الكلمات غير مفهومة، ولا النداءات، بل غائبة .. قتلتها دكتاتورية الحضور المنتظر ! كل ما يمكن أن يميزه رحلة الإبحار في عوالمها العابرة لموانئ قبلاتها والمثقلة بحنين قديم قتله طيش القرارات..

الأشياء تسير بسرعة، والأحداث تتشابه، لكن مانعاً سكن المكان قتل كل توسلاتهما، كل الزوايا تحمل نفس الأشياء، والصور لم تتغير، وحتى الكتب، الشموع، ومحرضات تشعل المكان شوقاً، ونداءات هواتف منسية تقطع كل وئام !

يبدو أن هذه الليلة قصيرة، أو فاقدة لإحدى ساعاتها، فالزمن يلاحق بعضه رغم الشتاء المسيطر و”المخمل” لذرات الزمن أيضاً .. اللحظات في تسابق، كل منهما يحاول منح الوقت وقتاً، حتى لو كان بثمن ..

كل التفاصيل تبدو طويلة وفي الوقت ذاته بسرعة تغيب، وكأن اللقاء وداع أو بداية للقاءات، كمية الشعور كبيرة بيد أن الحرف يخون الحضور !

سأترك عملي، وعائلتي، والمكان .. وأنت، سأطير هناك حيث لا أنت، لا خذلان ولا انكسارات، ولا حب، سأبحث عني، لأجد الحياة” هكذا كانت تقول وجسدها منتثراً في أحضانه، كان عاجزاً عن الرد، أو جباناً في التعاطي، مزدوجاً، متلعثماً، يحاول الهروب من داخله .. كان يفكر بضوضاء داخلية، أحتضنته بقوة وقالت :”أحبك”، صمت مجدداً وهرب .. وعاد لشارع حياته، لكنه لم يكن هناك مطر ! والسلام.

 

اترك تعليقك على المقال تعليق واحد

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام