رحل.. ولم يودعنا!

..وككل الأشياء التي لا نكترث لبداياتها؛ لا أتذكر تفاصيل لقائنا الأول، ولا المواضيع التي أدرجت في أجندة الحوار، ولا موعد اللقاء الدقيق بحسب تقويم الصداقة.. كل ما أتيقنه أننا أصبحنا (أصدقاء) بلا مقدمات، وكأننا التقينا مسبقًا في عوالم بعيدة عن كل هذا اللغط الإعلامي.. وكل هذا بفضل صديقنا المشترك “حسين”!

ركضت الأيام سريعًا، وأصبحنا نلتقي كثيرًا، ونمزج العمل الطويل في سهرة ممتدة إلى ما بعد منتصف الليل – في وقت كنت به صديقًا للسهر – هو وحسين وأنا، وأعمالهما المتراكمة، وتقاريرهما غير المنتهية، في وقت يمتلئ به مبنى الـ”mbc – Riyadh” بالكثير من الصمت، ولا يقتل هذا الصمت سوى أصوات ضحكاتنا المعبئة لكل المساحات الخائفة من ظلام الليل.. كنا نتحدث كثيرًا عن العمل وتفصيلاته، وعن مشاكل حسين الكثيرة وعناده، و عن مصر ما قبل الثورة، وعن الثورة.. ومابعدها، عن الإعلام ومساوئه، ومحاسنه، عن أولاده.. عن الحب، عن مغامرات الشباب، عن خبرته الواسعة، ونصائحه الجميلة..  عن مسيرته الإعلامية، ومراحل التنقل في بلاط صاحبة الجلالة!

لقد فشلت كل الأشياء في سرقة لحظات صمت من لقاءاتنا، وتحويله لساعات تقليدية، تستعتمرها المجاملة، والأحاديث المملة.. حتى أوقات الأكل أحطناها بالكثير من النقاشات، والصراخ، والضحكات.. في وقت كانت به الهواتف منسية، بعد أن فرض علينا حسين منطقة حظر، مقترحًا اتفاقًا بأن لا يجيب أحدًا على هواتفه، أو ينشغل بها.. واستجبنا له ولم نجيب!

..رحل حسين من إدارة تحرير الـ”mbc.net” فأربك مواعيد اللقاءات، وأعاد صياغة اللحظات، وتوقفنا عن الاجتماع لربكة الجداول، ولتوقفي عن السهر، لكن التواصل ظل باقيًا. بيد أن المزعج في هذا، هو الرحيل الذي لم يكن بمقدمات، ولم نعلم عنه أو نتوقعه.. بعد أن غاب (محمود الدميري) عن الحياة، وطار بعيدًا عنّا، وعن أولاده ومصر، وعن تلك اللحظات.. رحل دون أن يودعنا، دون أن يكون هناك موعدًا أخيرًا، نسهر فيه طويلًا، ونتحدث كثيرًا، ونصرخ في وجه الحياة، والأشياء القبيحة التي تقتل كل فرح.. كان يجب أن نتعاهد على اللقاء، في أي مكان آخر، ونغني مجددًا كما كنا، ونتقاسم الـ”بيزا” والفرح والسهر.. لكن الموعد تأخر كثيرًا على غير عادته! والسلام.

افتتح النقاش على هذا المقال بتعليقك. ليكن أول تعليق

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام