بعض القضايا، حتى وإن كانت ثقيلة الحضور، إلا أن تكرارها واجب الكتابة، حيث إنها تنتمي لقائمة التصنيفات التوعوية، التي نزعم أنها تسهم في معدلات الوعي، ولو كان بشكل طفيف، وحتى لو لم تفعل، فهي – على الأقل – تبرئ الإعلام، بعضه وليس كله، صاحب الاتهامات التي لا تنتهي، من خلال زاوية التسليط المبكر على القضايا، ومحاولة الدفع بكل ما يساعد لحلها.
قلنا، ولا زلنا نقول، بأن «داعش» تخاطب الناس، كل الناس، من خلال «سياسة إعلامية» احترافية، تعتمد بشكل دقيق على معرفة لغة الخطاب لكل فئة، في وقت يعتقد فيه العديد من المتلقين أن ما يصلهم – عبر كل القنوات والوسائط – مجرد رصد من هواة، حاولوا تمرير ما يؤمنون به، عبر أدواتهم البسيطة!
ما جعلني أعود للتذكير بهذا، هو ما ذكره الصديق الجميل زيد الشكري، المتخصص في الصحافة ووسائل الاتصال، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «في حالة الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش»، فإن ما يقوم به هو التوسل في الحصول على القوة من خلال الدعاية، وتحديدا توظيف ما يسميه أحد أشهر علماء الاتصال في مجال الدعاية هارولد لازول ب(الرموز الجماعية)، وهو توظيف للرموز التي تكون عادة ذات ارتباط مع مشاعر قوية، وتمتلك القدرة على تحفيز العمل الجماعي على نطاق واسع على مدى أشهر وأحيانا أعوام من خلال استخدام كل وسائل الاتصال المتاحة. واستخدام هذه الرموز لا يبعث لدينا شعورا يكون وليد اللحظة التي نراها فيها، بل هو نتيجة سياق طويل ابتدأ في الماضي ومورس فيه تكثيف للدلالات والإيحاءات التي تتجدد كلما نراها. وتتعزز دلالات هذه الصور أكثر كلما صاحبها خلفيات أخرى، كالموسيقى المصاحبة، أو التعليق، وأشكال الإنتاج الأخرى».
ذكرت سابقا، من خلال تدوينة مطولة شرحت فيها سياسة «داعش» الإعلامية، أن المراقب للرسائل الإعلامية لمثل هذه التنظيمات؛ ليلحظ أنها – ولفترة طويلة – اعتمدت على الطرائق الخطابية في الحديث للناس، القاعدة على سبيل المثال، لكن «الدواعش» غيروا من هذه المفاهيم، واعتمدوا لغة الصورة، الثابت منها والمتحرك، ووظفوها لأهدافهم.. بل إن بعض المتخصصين قالوا بأن «داعش» تستخدم تقنيات الإخراج الموجودة في «هوليوود»، وتحديدا عند استخدام أسلوب «السينما» لتهديد أمريكا، في ال»فيديو» الذي نشره التنظيم، ومدته 52 ثانية، حيث يهدد البيت الأبيض بتدميره وإشاعة النيران في كافة أرجاء الولايات المتحدة..
كما أن هذا الحديث، يجبرنا على التطرق لما قاله «جون آلن»، المبعوث الخاص لدى الائتلاف العالمي للتصدي ل»داعش»، عبر «الرياض» في عدد الأمس، والمتمثل في: «لا يمكننا أن نأمل في هزيمة «داعش» من خلال العمل العسكري وحده. إن شركاءنا في الائتلاف يؤدون الآن أدوارا قيادية لوقف تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب، والحدّ من تمويل «داعش»، وهزيمته حيثما يمكنه إلحاق الضرر بشكل مذهل: في الفضاء الافتراضي (الإنترنت) وسوق الأفكار..». والسلام