.. يبدو مختلفاً هذه الليلة، بل منتشياً، حضوره لا يشبه ليلة باريس المغرورة، وأحاديثه ليست لذلك المتيّم الذي صارع من أجل اللقاء الأول، كل شيء يأتي مغايراً لحقيقته، حتى كلماته لم تكن تمثّله، مشاعره تشبه سياسة مدينة ليلته الجديدة، فتارة تأتي متحزبة شأن التيارات في بيروت، ومرة ثائرة، لكن الغالب عليها حرب وسط السلام، وموسيقى ملاصقة لأصوات المدافع والرشاشات، بقلب لا يحمل من باريس سوى غروره.. استوى، وكادت أن تستوي سيجارته، التفت ببطء وقال: “كل الأزمنة التي ننتمي لها كذكرى؛ لا يمكن أن تكون واقعاً من جديد، لأنها صُنعت لتكون جميلة في وقت محدد، وظروف معينة.. وأية محاولة لاستنساخها هي عملية فاشلة سلفاً، بل إنها تؤثر على الصورة الأساسية للذكرى، وهذا ما يوجب صنع حياة جديدة، لنحافظ على لياقة الذاكرة باستمرار!”، وأردف حروفه بكلمات من الصمت، شاركته الصمت مضاعفاً، وقالت لا شيء، وبدأت وهو أحاديث العيون، المليئة بالكثير من الأسئلة، وغابا في رحلة تفكير؛ قطعها صوته من جديد: “ستكبرين يوماً يا جميلتي؛ وستخبرك الحياة بكل أسرارها، وتتطفل على تعليمك – بمناسبة وبدون مناسبة -، وستقول لكِ إن الحب لا يوزّع عند بائعي الصحف الغاضبين، ولا على أبواب اللقاءات العابرة، ولا في جمل الكتّاب المتمرّسين، إنه هناك حيث… حيث…، إنه هناك وحسب، ستجدينه بالتأكيد..”، هناك أين؟.. أين؟!، هكذا ردت على كلماته، ولم يرد سوى بـ”هناك.. ستجدينه”!. فجأة؛ أدار بوصلة الكلام، وراح يتحدث عن وضع بيروت الأمني، والخوف الذي في وجوه بعض السياح، والتشاؤم الذي سكن المدينة، وكيف تخلّت عن ابتسامتها، وهي تشاركه بصَمْتِها الممتد منذ بداية الليلة، وتتابع حديثه المستحدث، وتحلّل في الوقت ذاته سبب هذا الانعطاف المفاجئ بالحديث، والحدث.. الساعة تجاوزت الثانية عشرة ليلاً، كل شيء كان صامتاً إلا من كلماته، وصوت باب الغرفة يطرق دون مقدمات! انتهت المساحة، وللحديث بقية.. والسلام.