الليل لا يزال طويلاً، وسيجارته فيها ما يملأ شتاء لندنيّاً، ومسيرة العتب تكفي لتعبئة عمر بأكمله، ولملء كل مواعيد العشاق الذي تأخروا عن لقاءاتهم، فكان القدر أنه الموعد الأخير الذي لم يحن، يا جميلتي، هكذا يحدثها كما يحب، لكنه ليس بالقدر الذي يساوي فيه قوله يا صغيرتي، ليقول لها: “القلوب تكبر وتتقادم وتشيخ أحياناً، تارة باسم الزمن وتارات بأسماء أشياء لا تنتمي إلى أي شيء، والرغبات تختلف، بل حتى الأطماع والأحلام، كل الأشياء تتغير، الجميلات في وقت مبكر يغريهن الاهتمام، ويصبح هو كل ما تطلبه من الرجل، ولهذا تفتعل الأحداث لتختبر فرضية ذلك، لكن الحب يصبح طلبهن الأوحد في وقت آخر من العمر، عندما لا يكون الاهتمام كافياً لإخماد غرور الأنثى، خاصة إذا ما نضجت الرغبات، ونبتت في القلب مزرعة من الأحلام، وهناك وفي مراحل أخرى من دوامة الأيام تفتش المرأة عن صديق، أو مهما كانت تسميته في قلبها، تبحث فيه عمّا تثق به، وتخبره كل مخاوفها، وتقول له عن كل الغضب التي تحمله جراء الأيام، لتقرأ في عينيه الأمان، وتهدأ، لكنها في أوقات مختلفة من الترتيب؛ تبحث عن رجل يحمل كل هذه المراحل، ويحمل على عاتقه أزمنة من الجنون، يهتم ويعشق ويحمي، ويغضب ويلعن، ويكون شاهدها على الحياة، يتطفل على كل لحظات مذكراتها، ويسجل حضوراً بألوان متباينة”.
ابتسامتها قادرة على كسر جمود اللحظة، ومنعطف لإيقاف تسلسل السرد، وتفحصّ لملامح الليل المنتصف، كل هذا قبل أن يسلم سيجارته لمنفضة السجائر، ويضحك ساخراً، قائلاً: “الرجل ليس دائماً في حياة المرأة، هناك مرحلة أهم من كل ما أخبرتك به، مرحلة اللعن الكبير، عندما تبحث المرأة عن أي شيء يلغي الرجل من ذاكرتها، وحياتها، وتفقد الثقة به، بعد خيبة كبيرة؛ لا تندمل بكل وعود الرجال الوقتية، ولا تبريراتهم، في هذه المرحلة تكون المرأة قد زهدت بالحياة، وتوقفت عن التردد على الوقوف أمام المرآة، وصارت لا تبالي بأي شيء، حتى يخرج لها القدر من يستطيع أن يلغي عمراً من البكاء”، الباب لا يزال يطرق! ولكنه على استيحاء؛ لم يمكنه من قطع تدفق الكلام، وللحديث بقية! والسلام.