كان الصباح يقتات على بقايا ليلته، وحلمه المرحل حتى بعد الإشراق، فكل الأشياء تقدم ليلة بلغة صباحية، ولا شيء يعبئ فراغات المكان سوى أنفاس الحب.. وبعد تصالح مع الصباح من جديد؛ راح يكمل مسيرة الحديث الذي غاب في معمعة هذيانه، ليقول: يا جميلتي.. لا يوجد في اللقاءات الأولى منطقة حياد، فهي لا تعرف سوى لغة “التطرف”، لتحلق إلى أعلى سقف ممكن يحيط باللحظة، أو تهبط حتى آخر اللا وجود، لأن الذين يلتقون في المرة الأولى عادة ما يجيشون كل التوقعات، ويحملون معهم كل الأحلام المؤجلة، وحتى خيباتهم لا ينسون أن يجلبوها أيضاً.. لذلك هم دائمو التنقل بين هذه النقاط الثلاث، يخافون أن تغيب إحداها، أو تسيطر واحدة منها على الأخريات، وهذا ما يجعلهم في حركة لا تتوقف؛ بغية التوفيق بتوازٍ بين كل هذا.
الصمت هو اللغة المشتركة الفاصلة بين حروفه، التي اعتاد أن يحملها معه كلما حل بالحديث غربة، يستعين به ليعبر إلى مساحة أخرى، قبل أن تلملم اللحظة التي قبلها أشياءها، كما فعل معها قبل أن يقول: “نهتدي – عادة – إلى الحب، في الوقت “الخطأ”، مع الشخص “الصح”، ثم نكون خطأً في أوقات صحيحة أخرى، ثم نظل نحاول أن نربط بين كل هذه الأزمنة لنظفر بلحظات صحيحة مع الأشخاص المناسبين، وهكذا نغيب في دوامة التنقل والربط، حتى تتجاوزنا اللحظة برمتها، ونبقى مجرد أشلاء ذكرى، وأيام منسية، وأحلام توقفت عن النمو..”.
وبعد مسيرة صمت مضاعف، سكن طويلاً، قال هامساً: “ولأن حتى اللحظات تتقادم، وتكبر وتشيخ، شأنها شأن كل الأشياء، فالغياب كذلك، يهرم يوماً، ويتلاشى أحياناً، ومعه البقاء والانتظار، لذلك نحن أبناء اللحظة، أعمارنا من عمرها، وقلوبنا تملأ بالفراشات الملونة مهما كان أبيض الشعر حاضراً، نعود بها أطفالاً، نمارس كل الحماقات، نصرخ ونغني ونرقص، ونوزع الصخب في كل الفضاءات.. ثم نغيب حتى تعلن اللحظة موعد الجنون الجديد.. لأننا ليس سوى متطفلين على اللحظة”، لذلك “أيها الحاضر تحملنا قليلاً، فلسنا سوى عابري سبيل ثقلاء الظل”، كما قال درويش يوماً. والسلام