كلنا في خندق واحد

“لقد ذهب محمد حُراً، اختار أن يكون درعا للمصلين. ترك لأمهات أصدقائه أن يحتضن أبناءهن كل يوم، وترك حضني فارغا منه..”، هكذا اختارت كوثر الأربش، أم الشهيد محمد العيسى، أن تنهي بيانها حول فقدها لابنها، الذي نسجته بكثير من الألم، والحكمة.. في آن!

حروف الأربش، كانت بلسان كل الأمهات “المكلومات”، وبوجع كل الذين أخذ الإرهاب أحبابهم، اختصرت مسافات الحديث على كل من خانته الكلمات، وأغلقت الأبواب في وجه كل المتاجرين بالقضايا واللحظات، وتحاملت على الموقف وهزمته، وقالت للتاريخ بأنها لم تكن أمّا لشهيد وحسب، وإنما كانت وطنا كبيرا انتصر على كل المتناقضات من أجل الوطن.

عندما قالت: “كما أعزي أم قاتل ابني وأعظم لها الأجر..”، ورغم كل التسامي والشعور بالآخر، والعقلانية في تقدير المواقف، وعدم التفكير الأحادي بمصابها، إلا أنها كانت تقول لكل نساء الوطن بأنهن مستهدفات بقلوبهن؛ من خلال التغرير بأبنائهن، أو فرضية ملاحقة الإرهاب لهم، كانت تقول للجميع، بلا استثناء، بأن التطرف – باسم الدين – الذي طالها، وطالما حذرت منه، سيطول كل زوايا الوطن، وأنه لا يعرف ملة ولا دينا ولا إنسانية، لا يفهم سوى لغة الموت والنار، التي لا تشتعل إلا في أراضي الكراهية والطائفية، ولا تنتج إلا تدمير الأوطان والإنسان.

إن الذين استهدفوا محمداً وأحلامه، وبقية الشهداء في الدمام والقديح، ولاحقوا رجال الأمن في أكثر من موضع، سيأتون غدا ليلاحقونا جميعا، أنا وأنتم وأحبابكم، سيغتالون أبناءكم أمامكم، وسيرقصون فوق الجثث، وسيغنون باسم الدين الذي شوهوه، سيفعلون كل هذا وأشنع.. في حال صمتنا، وساعدناهم على جنونهم وتطرفهم، وساهمنا في تحقيق أهدافهم، عبر كل أنواع الدعم، حتى غير المباشر منه، وأقله عدم الاستنكار لما يفعلون، لأن أي تبرير – ولو كان ضمنيا – هو مشاركة في صناعة التطرف، ولنتذكر أن الوطن يبنى بشعبه قبل حكومته، وأن وعي الشعب وإسهامه في حفظ العقول والأمن أولى وأوجب وأهم.

ولعل أفضل ما يقال هو ما كتبه الشهيد فرج فودة يوما، عبر كتابه “قبل السقوط”، عندما قال: “أيها الصارخون، واإسلاماه واإسلاماه. وفروا صراخكم، فالإسلام بخير، والخطر كله على الإسلام إنما يأتي منكم. حين تدفعون بشباب غض في سن الصبا، إلى ترك الجامعة لأن علومها الحديثة علمانية، وتحشون رؤوسهم بخرافات.. وتقولون إن المرأة باب الشر، وأن المجتمع كله جاهلي. والله وحده يعلم أنكم أجهل أهل الإسلام بالإسلام. فالإسلام كان وما يزال وسيظل دين العقل.”

في النهاية، لا أجد أفضل من حروفها لأختم حروفي، ولأقول بلسانها، وبلساننا جميعا، وبلسان الوطن: “وبعد كل هذا الحزن يبقى هناك صوت للحقيقة بدواخلنا يجب أن نفهمه جميعا: كلنا مستهدفون في لحمتنا، في نسيجنا، في تماسكنا، في قناعتنا التامة أننا وطن واحد، من قطيفه شرقا، لرفحائه شمالا، لجدته غربا ولنجرانه جنوبا. نحنُ مستهدفون كي لا نتذكر بأننا جميعا مسلمون نشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأننا نصلي تجاه ذات القبلة، وأننا نرى الاختلاف ثراء وزيادة، لا قتلا وتدميرا، وأحزمة ناسفة..”. والسلام

افتتح النقاش على هذا المقال بتعليقك. ليكن أول تعليق

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام