الأغلبية يرددون مصطلح «البروباغندا» حول أي شيء، اعتقاداً منهم بأنهم واعون لما يجري حولهم، لكنهم في الوقت نفسه يقعون في فخها عندما تمارس عليهم بطريقة منظمة، ويستجيبون لها ويتفاعلون، بل ويساهمون في انتشارها.. دون إدراك لذلك!
يصف المفكر والكاتب المتخصص في الاتصال، «ريتشارد آلان نيلسون»، الدعاية أو ما يعرف بال»البروباغندا» بأنها «قالب اتصالي، يهدف لاستمالة مقصودة لشريحة محددة من الجمهور المستهدف، من خلال محاولة إحداث تأثير على العواطف، والمواقف، والآراء وكذلك الأفعال لأغراض سياسية وأيديولوجية وتجارية..»
وعلى الرغم من أن «البروباغندا» شهدت في واحدة من أهم مراحل أوج توهجها تحولات كبرى، عكستها الصراعات السياسية، إبان المد النازي «الهتلري»، الذي أبدى براعة كبيرة في توظيفها، إلا أن الأميركيين هم أكثر من وظفها سياسياً منذ الخمسينات، وتعاهدوها عبر مؤسسات مخصصة لذلك، مثل «صوت أميركا». وأبرز مثال على ذلك هو سلسلة الفيلم الوثائقي المثير، الذي أنتجته ومولته الحكومة الأميركية، من أجل «بيع» فكرة الحرب بين أوساط الشباب، خلال الحرب العالمية الثانية، المعروفة ب»لماذا نقاتل» / «Why we fight»، التي تعد وعياً مبكراً لأهمية الدعاية، كما أنه أحد الأشكال المتقدمة في هذا المجال، لأنه مزج بين حيل اتصالية متعددة؛ منها الدعاية والتأطير وغيرها.
ولكن اليوم، وفي الغرب تحديداً، انهارت معظم حيل الدعاية لعدد من الأسباب، كتنوع مصادر المعلومات، وتعددها، والأهم من ذلك هو الوعي الصحفي والمهني، الذي يرفض أن تنطلي عليه أساليب الدعاية من السياسيين والمؤثرين وغيرهم. وبالإضافة إلى أن الكيانات الصحفية ما زالت تحظى بثقة الجمهور حتى في الشبكات الاجتماعية، وبروز دور صحافة الأفراد والمؤثرين. هذا الوعي – مع كل الأسف – غير متحقق في الصحافة العربية، بدليل أنها تتعامل مع كثير من أشكال الدعاية على طريقة «ساعي البريد» الذي ينقل دون أن يمحص أو يدقق.
ما أريد الوصول له، هو عندما تخلق «داعش» لنفسها مصطلح «الدولة الإسلامية»، لتتبناه معظم الصحف العربية، وتتعامل معه كما تريد «داعش» أن توصف، فإن هذه الصحف إنما تكرس دعاية هذا التنظيم المتطرف، وتروج لها وتعيد إنتاجها. وهذا التوظيف هو أحد أهم أشكال الدعاية، حيث يسميه علماء الاتصال ب»الدعاية الدلالية – Semantic Propaganda»، وهو التلاعب بالمصطلحات، ودلالات الألفاظ وتوظيفها لنقش قناعة لدى (الوعي الشعبي)، بأن هذه الجماعة هي دولة تمثل الإسلام. وهذا الإخفاق الصحفي في كشف هذه الحيلة يعد جناية صحفية، إن صح وصفها بذلك، ويقع ضمن المحاذير المهنية؛ إذ يجب على المؤسسة الصحفية أن تُمارس مهنة الصحافة، لا مهنة ساعي البريد!
أخيراً.. يقول صحفي ال «واشنطن بوست» المخضرم «ماري ماردر»، الذي أسقط عرش «المكارثية» على رأس مؤسسها «جوزيف مكارثي»، لتدين له الأجيال بأنه أكبر مساهم في إلغاء واحدة من أسوأ الحقب في الحياة العامة الأميركية: «تكون جناية الصحافة كبيرة عندما تكون بوابة (لنقل) دعايات السياسي..». والسلام.