شخصياً، وأعرف كثيراً غيري، وأظنكم تعرفون أكثر مما أعرف، نفضل عدم حمل المبالغ النقدية “الكاش”، وخاصة في السفر للبلدان التي توفر أجهزة الدفع الإلكتروني، في كل زواياها، والتي تغيب عن كثير من الأنشطة التجارية لدينا، ما يضطرنا لحمل الأموال باستمرار، وهذا مزعج كثيرا من عدة نواح، أهمها عملية الحصول على الأموال، وخاصة في المواسم.
لا أعلم أين تكمن المشكلة في التحول (الكلي) للدفع الإلكتروني، والسماح لل”كاش” في أطر ضيقة.. وهل المؤسسات التنظيمية في البلد على دراية بأهمية ذلك؟ وهل لدينا التشريعات التي تنظم و”تجبر” التجار على ذلك؟ والأهم من ذلك، من المستفيد من عدم تطبيق ذلك.. فيما لو افترضنا أن الأنظمة موجودة!
حاولت أن أحصي بعض انعكاسات فرض تطبيق هذا النوع من المدفوع، بطريقة عشوائية، ووقفت على بعض النقاط ذات التأثير على الاقتصاد والأمن والمجتمع، والتي أتمنى أن يقف عليها الاقتصاديون بشكل أوسع، والتي من بينها:
أولا: تمويل الإرهاب، إن منع تداول ال”كاش” من شأنه أن يضيق على التنظيمات الإرهابية، أو الأفراد المتطرفين، ويسهل الوصول لمصادر حصولهم على الأموال، وخاصة المبالغ الكبيرة، ويسهم في دحر الكثير من العمليات الإرهابية.
ثانيا: غسيل الأموال، أعتقد أن هذا النوع من النشاط الاقتصادي الخفي، يكاد يكون الأكثر سوءا في اقتصادات الدول، ومشكلته أنه “زئبقي” غالبا، وتتبعه يكون مرهقا للحكومات، ولو تم فرض الرقابة على الدفع الإلكتروني؛ لاختصر الأمر جهدا كبيرا في تتبع مسارات الأموال، وسد الطريق في وجهها.
ثالثا: الزكاة، في البلدان التي تفرض الضرائب؛ يهرب التجار منها لل”كاش”، وهو الشأن ذاته مع الزكاة لدينا، فالذين يحاولون التملص من ضمائرهم أولا، ومن الأنظمة ثانيا؛ يتخذون من الدفع النقدي حصناً، ولذلك لا بد من محاصرة هذه التلاعبات.
رابعا: زحمة الصرافات، نظرا لطمع الكثير من البنوك؛ فإن عدد الصرافات محدود، وغالبا مزدحم، ويغيب عن بعض الأماكن، وفرض مثل هذا الأمر سيخفف كثيرا من تلك “الزحمات”، ويوفر على البنوك الكثير من المصاريف التشغيلية لذلك، وستفرح وتؤيد كثيرا.
خامسا: الاقتصاد الشفاف، حيث إن وجود أنظمة كهذه من شأنها أن تسهل عمليات الحسابات الاقتصادية المعقدة – أحيانا – كالقوة الشرائية، وغيرها، وخاصة في المشاريع الناشئة، التي لا تتعامل بالقوائم المالية، ففي بحث أصدرته شركة “ساج باي للأبحاث” البريطانية، على سبيل المثال، قال إن الشركات الصغيرة والمتوسطة في بريطانيا تخسر نحو 17 مليار جنيه إسترليني سنويا بسبب استمرار تعاملها في النقد “الكاش”.
وأخيرا.. لا يمكن أن نصحح – مثل كل شيء – إلا من رأس الهرم، فوزارة “التجارة”، الجهة التنظيمية والتشريعية، تفرض الدفع النقدي في تعاملات الوزارة التي تتطلب حضورا، وهذا أولى بالإصلاح.. ومنا لمن يهمه الأمن والاقتصاد. والسلام