نعلم جيدا أن ملف التوظيف، أو توطين الوظائف، أو “سعودتها” بما يعرف محليا، أحد أهم الملفات التنموية العصرية، والتي نالت اهتماما كبيرا في السنوات الأخيرة، بشكل ملفت، سواء من قبل صانع القرار، أو من المواطن، واختلفت الآراء حولها، بل إن بعض تفرعاتها أوجدت سجالات فكرية بين عدد من التيارات، دون مراعاة لمصلحة الوطن، المظلة الأكبر، في معظم الأحايين.
لسنا بعيدين من قرار “مجلس الوزراء”، الذي أعلن قبل أيام، ويقضي بالموافقة على تنظيم هيئة توليد الوظائف ومكافحة البطالة، التي سترتبط تنظيميا برئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وتتولى العمل على توليد الوظائف ومكافحة البطالة في المملكة من خلال التنسيق بين جميع الجهات الحكومية والخاصة ذات العلاقة بسوق العمل وتعزيز المشاركة بينها، بحسب ما بثته “واس”؛ حيث يعتبر منعطفا مهما في طريق معالجة هذا الملف، ويضمن سرعة في اتخاذ القرارات، وقتل كل بيروقراطية قد تواجه في التنفيذ، من خلال الارتباط المباشر ب”المجلس الاقتصادي”.
طالما أننا في بداية الانطلاق لهذه الهيئة، ومن وجهة نظر شخصية، فإنني أرى ضرورة الاهتمام بما يعرف ب”صناعة الفعاليات”، والتي تعرف بتوليدها للعديد من الوظائف المختلفة بشكل آني وسريع، ولا تحتاج مسيرة وقتية طويلة للإنتاج الأول، خاصة إذا ما علمنا أن الفعالية الواحدة، بحسب المعايير المعتمدة، تولد ما لا يقل عن ألف وظيفة وقتية، قادرة على أن تكون دائمة، متى ما وجدت الأرضية الداعمة لهذه الصناعة، ناهيك عن عشرات الأفكار التي تولد من هذه الفعاليات، وبالتأكيد تخلق مزيدا من العمل والوظائف.
ما أتحدث عنه ليس حلما، أو مجرد جمل مركبة متفائلة، وإنما واقع نشهده من فترة لأخرى لدينا، وبشكل مستدام في بلدان مجاورة، لكن الأمر لن يتأتى من الفراغ، وإنما بوجود التشريعات الحقيقية الدقيقة، القابلة للتنفيذ، وبوجود المتابعة التي تضمن ذلك. والأهم من كل هذا، هو أن نخلق نماذج لأعمال محلية، ونمنحها الثقة والتسهيلات، فليس بالضرورة أن نخلق العمل على أرضية لبيئة مستوردة من الخارج، لأننا نملك الأفكار التي تناسب مجتمعنا، والشباب القادرين على ترجمتها، والظروف التي تدفع للتميز.
قبل أشهر، شُرفت بدعوتي متحدثا في “مهرجان أصيلة الثقافي” الشهير بالمغرب، وفي جلسة النقاش؛ كان أحد المتحدثين من مملكة المغرب يعمل كاتبا صحفيا، قدم كلمته بعبارة توقفت عندها كثيرا، عندما قال: “عرفتُ مهرجان أصيلة طفلا، وكبرت بين فعالياته، وتعلمت منه، وها أنا أتحدث إليكم كمسؤول”، وهو الأنموذج الذي قد يكون (شبه) معدوم لدينا، لأن الفعاليات المستدامة المولدة للوظائف والأفكار (شبه) غائبة.. بل غائبة، وغيّبتنا عن العالم. والسلام