فجأة، ودون سابق إنذار، أصبح الجميع يذم «الهياط» ويحاربه، وهذا شيء صحي، ولكن لا أعرف إذا ما نسينا أو تناسينا أننا جميعا شركاء في «عملية الهياط المجتمعية»، سواء أكنا «مهايطين» أم مستقبلين، أو حتى صامتين!
اعذروني، فلست متفائلا بهذا الوعي المفاجئ، وأعتقد أنه وقتي، مرهون بظهور قضية أخرى، أكثر «هياطا» وتوهجا، تشغل «المهايطين» عنها. ولنا في القضايا الأخرى أسوة، وفي الوقت نفسه، لا يمكن للحلول الجزئية أن تحل المشكلات بشكل جذري، لأن الانتقاء – في أي شيء – يشوه الهدف، ويحوله ويحوره، ويجعله محصورا في زاوية.
لا يمكن الحديث عن «هياط» محدد، وترك الأنواع الأخرى، فنحن «مهايطون» بحديثنا وتصرفاتنا، وبألقابنا وأسمائنا، وحتى بانتماءاتنا الرياضية وعقودها، والأعظم أننا نرحب دوما ب»المهايطين»، ونمنحهم مساحات أكبر من أحجامهم، ونقبل ما ينتجون لنا من «هياط» بشكل دوري، ونساهم في نشره وإعادة تدويره، ولكل له طريقته في المشاركة.. و»الهياط»!
هناك «هياط» يحتاج تسليط الضوء أكثر، يتمثل في هياط المسؤولين، وهو أشد أنواع «الهياط» ضررا – كما أعتقد -، لأن أبعاده تنعكس على الوطن والمواطن والتنمية، وله أشكال عدة ومتشعبة، أحدها الاستعراض المزيف للمنجزات، أو الوعود الفضفاضة، أو «الترزز» بالظهور، دون عمل وإنجاز حقيقي.
إن المحاربة الحقيقية لهذه الظاهرة تبدأ من ذواتنا أولا، وآسف لو كنت قاسيا، ولكن الشبكات الاجتماعية تغص بشتى ألوان «الهياط»، وخاصة فيما يتعلق بالسفر والمأكولات والممتلكات، وهذا النوع يسمى «هياطا غير مباشر»، يتعدى وجعه إلى كل المحرومين، الذين لا يستطيعون الحصول على بعض هذا، ويزج بهم في سلسلة من المقارنات، وهو ما قد يتطور لأن يصبح حسدا في بعض الأحايين، بل قد يخلق كرها بين الأشخاص.. للأسف!
الوعي، شأنه شأن التربية والأخلاق والالتزام، يأتي بشكل نسبي ومتباين بين الأفراد، ولا يوجد معيار واضح ودقيق للقياس، لذلك الفيصل دوما لمثل هذا هو القانون، وتشريع الأنظمة التي تنظم أي جديد، سواء لمحاربته أو لمحاسبة المخالفين، لأن الأحاديث العاطفية الوقتية هي ضرب من الأحلام، ولا تعدو عن كونها تسلية لحظية، لوعي طارئ موسوم بتاريخ صلاحية، قد ينتهي في أي لحظة!
وأخيرا.. «الهياط» ليس جديدا علينا، بل إنه موجود منذ سنوات طويلة، مع اختلاف الصيغة والاستخدام، حيث يقول عمرو بن كلثوم: «أَلاَ لاَ يَجْهَلَنَْ أَحَدٌ عَلَيْنَا.. فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَا»، ونحن نقول: فوق هيط «المهايطينا»! والسلام