عندما نعود بذواكرنا قليلاً للوراء، لمسافة بضع سنوات، نسمع أصواتا لم تعد تحدث ضجيجا الآن، كانت قادرة على امتلاك مساحات كل الأفق، عموديا؛ فوق الفكرة التي تؤمن بها، وأفقيا؛ في كل الفضاءات الأخرى، كل الأخرى، بغض النظر عن الكيفية والتخصص.
قبل الأصوات، من الجنون أن تلغي الآخر، مهما كان الآخر، وبغض النظر عن تفاصيل الاختلاف، حتى لو كنت متفوقا، بكل معاني التفوق، ولو كنت تحمل ضمانات الاستمرارية، لأن الطبيعي أن المسارات – غالبا – لا تتقاطع، ولكل شيء في الحياة مريدون، وعشاق، وناس يؤمنون بأدق الأخطاء!
أيضا، من التهور جدا أن تطلق الأحكام على الأشياء غير الناضجة، أو التي ما زالت تنبني وتتشكل، لأن الرؤى – بكل الضمانات – قد تختلف، فتختلف الظروف والنتائج، وبهذا تصبح الرهانات خاسرة، أو منكسرة، أو منتهية الصلاحية، غير قادرة على العمل والإقناع..
الآن يمكنني العودة، لأتحدث عن (بعض) أولئك الذين برزوا عبر مواقع الإعلام الحديثة، ولا أعرف إذا ما كنت دقيقا لو وصفتهم ب(نجحوا) أو لا، ثم ما فتئوا حتى راهنوا على خسارات الآخرين، وأعني مؤسسات الإعلام التقليدي وغيرها، مطلقين الأحكام الكلية، والساخرة – في بعض الأحايين -، زاعمين التفرد، واستعمارهم لمكان الذين سبقوهم، بحماس ذاتي، وبلا رؤى استشرافية، وإنما مرتكزة على شعارات “ثورية” آنية، تلاشت.. كما لو لم تكن يوما!
معظم من طلوا عبر “يوتيوب”، على سبيل المثال؛ هاجموا التلفاز، ثم استقرت بهم الحال في “التلفاز”، في زوايا برامج أقل من عادية، تأتي موسما بعد الآخر دون أن تحرك ساكنا في الحياة، أو تقنع المتلقي في المتابعة، بعد أن اكتشفوا أن سقف كل المنصات هو (الإعلان)، وهي الحقيقة التي يجهلونها في البداية، عندما تكون الأعمال ارتجالية، بلا هدف أو تكاليف أو منطلقات مؤسسية، ثم تغيب الرومانسية، وتبقى حسابات المعلن، التي تفرض كل شيء!
آخرون، فضلوا الاتجاه إلى منصات أخرى، سينما ودراما وصحف وإذاعة وغيرها، قلة منهم استطاعوا المواصلة، والأغلبية انخرطوا مع الآخرين، وتصالحوا مع الواقع، ورموا خلفهم أياما من الاستقلالية “الوقتية”، والتصريحات البراقة، والوهج المختلف، واقتنعوا.. كرها وطواعية.
هذا الحديث ليس تقليلا مما قدموا، أو إعلانا لانتهاء فترة وهجهم، أبدا، خاصة أنني أؤمن بأن لديهم فرصا أكبر، وظروفا مواتية أجمل، للتميز والاستمرار، ومقتنع تماما بالدور المهم الذي شاركوه في منعطف التحول في الإعلام والحرية والتواصل، وكل هذا محفوظ ومؤرشف لهم.. لكن حديثي هو للتوثيق، ومحاولة تقييم كل مرحلة على حدة، مع الأخذ بالاعتبار كل المعطيات المختلفة، التي لا يمكن أن نخرجها من السياق الجمعي، من أجل المناقشة والتقييم والنقد.
كما أنه من الضروري، وحتى لا ننتقد الأخطاء ونفعلها، أن نقول إنه لا يوجد ما ينفي حديثهم، وقد يكون فعلا ما رددوه، ولكن للتوضيح، وكما أحب أن أكون مباشرا، وأكسر الطريق في وجه الذين يحترفون تفسير النوايا، أو تحوير الحديث، أقول: هذه الرؤى للرصد المرحلي.. وليس للانتقاص! والسلام