الدول الناضجة، والتي تعي ماهية أهمية القرارات وأبعادها، تعرف جيدا أن اتخاذها لا يجب أن يكون ارتجاليا، أو برؤية انطباعية وعاطفية، أو حتى مبنية على معطيات بدائية، بل يجب أن يكون واضحا، مدروسا بشكل عميق، من خلال ما يعرف بـ”مراكز الدراسات”، المسؤولة عن خلق التصورات المستقبلية، ورسم خارطة طريق متوقعة.
وتزداد أهمية وجود مثل هذه المراكز، متى ما كانت تعيش – هذه الدول – تحولا تنمويا، واقتصاديا، لأن قرارات التغيير يجب أن تكون منطلقة من أسس واضحة، تفهم منطلقات الاحتياج.. وهنا بالتحديد، تأتي أهمية إقرار مجلس الوزراء، قبل أيام، لتنظيم (مركز دعم اتخاذ القرار)، والذي يهدف إلى رصد وتحليل الأحداث والتطورات والمتغيرات والظواهر، والقضايا الداخلية والإقليمية والدولية، وانعكاساتها وإبداء الخيارات والبدائل المناسبة حيالها، واقتراح التصورات المثلى للتعامل معها. وإعداد الدراسات المستقبلية ومتابعة المستجدات والتحديات المحتملة، في مختلف المجالات، وتقديم المقترحات اللازمة لمواجهتها. وكذلك إعداد الدراسات المتعلقة بالموضوعات ذات الأولوية من الناحية التنموية وما يواجهها من عوائق وصعوبات ومشكلات وطرح التوصيات في شأنها.
وبالرغم من الاختلاف في تعريف وتسمية “مراكز الدراسات”، واختلاف أدوارها، من دولة لأخرى، ومن قطاع لغيره، إلا أن الادوار الرئيسة شبه متفق عليها، فمثلا.. “في الولايات المتحدة أُطلق على هذه المراكز اسم (Think tanks) التي ترجمت في العربية إلى “مراكز التفكير” أو “بنوك التفكير” أو “خزانات التفكير”، في حين أُطلق عليها في بريطانيا اسم “مراكز الأبحاث والدراسات”، لكن أثناء الحرب العالمية الثانية استخدمت عبارة (Brain Boxes)، أي: صناديق الدماغ”.
المشكلة، إذا كان وصفها دقيقا كمشكلة، تكمن في محدودية أداء معظم المراكز العربية، وتواضع نتائجها ومخرجاتها، وتغليب الطابع التجاري عليها، والعمل كردات فعل أكثر من كونها عملا استشرافيا، يستقرئ المرحلة، وقد يكون هذا بسبب أشياء مختلفة، منها عدم موثوقية عدد من الحكومات بها، وكذلك ضعف التمويل، وهو الأمر الذي أوجد أعدادا متواضعة، مقارنة مع المجتمعات الأخرى.
من خلال إحدى الدراسات، وجد أن إفريقيا تضم 550 مركزا بحثيا، وآسيا 1197، وأوروبا 1790، في حين يبلغ عددها في أمريكا اللاتينية والكاريبي 722، وفي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 329، أما أميركا الشمالية فهي تضم 1912.
لكن، الأهم من كل هذا، هل نأخذ بنتائج هذه المراكز، ونعمل بها؟ هذا هو السؤال! والسلام