لا شيء أعظم من أن تعفو عن الجميع قبل أن ترحل، أن تغفر لهم كل شيء، ألا تستثني أحدا منهم، بلا شروط أو نقاش، أن تطلعهم على مساحات قلبك الكبيرة، التي تستوعب كل الخلافات والاختلافات، بعد أن تزهد بكل ألوان المحاسبة.. أن ترحب برمضان، ثم تغيب.
مبتسما حضر، ومبتسما كتب، ومبتسما اختلف، ومبتسما رحل.. هكذا كان الحارثي حسن، حسن السمعة والذوق. غاب بعدما عبّد طريق الابتسامة، وخلق حضورا متفردا، بفكره وحرفه وطريقته، كان لاذعا بهدوء، يتسلل للمناطق الشائكة بخفة، دون أن تشعر، يختار الجانب المنسي من كل الأشياء، ويثيره بأسلوبه، الذي لا يشبه سواه، يعلن عن قناعاته، ينتقد بموضوعية، يقول كل شيء، في أسطر محدودة ومختصرة.
كان أحد القلة الذي يشخصون القضايا الفنية بفن، ويسهم أيضا في خلقها وترويضها، مشاركا في العديد من الأعمال الدرامية، كاتبا متخصصا في “السيناريوهات”، وللتاريخ – وبشهادة الدكتور أحمد العرفج – فحسن هو من سمى المسلسل الشهير “سيلفي”، وكذلك “واي فاي”، وأخيرا برنامج “صحوة”، الذي أعده كوداع للحياة، وكان السبب في تواصلنا الأخير.. وأبدع في نشرة “الوطن” النقدية كذلك، وفي محطاته الأول أكثر.
في آخر لقاء في القاهرة، عندما التقيته بعد مسيرة غياب، على هامش “مؤتمر الفكر العربي”، كان بشوشا كما نعرفه، مقبلا على الحياة، محملا بالكثير من الأحلام، وتحدثنا كثيرا عن السياسة والصحافة والكتابة والتقنية والإعلام الجديد، امتد حديثنا حتى المطار، برفقة بعض الأصحاب، استقل ومن معه طائرة جدة، وحلقنا للرياض، وبقيت بعض الأشياء المؤجلة، تنتظر الهبوط، واللقاءات المرحلة، ومشروعنا المجدول، وأخريات.
قبل أشهر، وعبر مقاله “الوابلي والخطر على الأمة”، كتب: “رحم الله عبدالرحمن الوابلي، الكاتب الجميل المدهش، فقد وهبنا طوال السنوات الماضية عصارة فكره النير، عبر المقالات الصحفية والكتابة الدرامية التي أحدث خلالها مع فريق عمل المسلسل الرمضاني “طاش ما طاش” ثقوبا في ثياب الصحويين والحزبيين..”، وكل هذا نراه في حسن، وأجمل. ونزيد: “وترحل..”، بصوت طلال الذي تحبه، معنا نحن الذي نحبك! والسلام