أستطيع أن أقول إن “انقلاب تركيا الفاشل”، ومنذ حدوثه، وهو يستولي على معظم مساحات الاهتمام الصحفية والشعبوية، وحتى مواقع التواصل الاجتماعي، لذلك الحديث عنه مباشرة لم يعد جديدا، أو مهماً، خاصة أن المتخصصين والهواة و”المدرعمين”، جميعهم بلا استثناء، قالوا ما يجب وما لا يجب أن يقال في هذا..
الزاوية الأكثر أهمية، بنظري على أقل تقدير، هي تنامي شعبية الرئيس التركي رجب أردوغان، وهذا التصنيف عشوائيا من عندي، قد لا يكون كذلك عند مراكز الرصد، التي تستطيع أن تحصر بدقة الزيادة والتراجع في الشعبية. ولهذا برز السؤال الأهم: لم كل هذه الحشود؟
في البداية يجب أن نفرق بين ما يقوم به الشعب التركي، والمجتمعات العربية، فالأول يتعامل مع القضية على أنها (أمن وحرية وديمقراطية)، وأي دعم للرئيس هو دعم في النهاية لهذا المثلث، الذي لا يرى التفريط به، مهما كان الثمن، خاصة مع عدم وجود ضمانات واضحة، من المشروعات البديلة المطروحة.
الجانب الآخر، تتعامل المجتمعات العربية مع الأمر من باب “أزمة الرموز”، وأتمنى أن أكون دقيقا في هذا الوصف، فهم على مر التاريخ غالبا ما يبحثون عن قادة أو سياسيين، أو مهما كانت الكيفية، لترميزه والعيش في كنف البطولة، وهذا الشعور أو الاحتياج شيء متأصل في دواخل الإنسان العربي أكثر، فهو ميال دائما لنسق الجماعة، المنتمية والمنتهية لرجل/رئيس واحد، وأقول رجل لأن الشعور ذاته قد لا يكون كذلك فيما لو كانت القيادة في زمام امرأة، مهما كانت المؤهلات والنجاحات والظروف المصاحبة.
وهذا يرمي بنا عند سؤال: لم أردوغان؟
الحقيقة، كما أفهمها، أن الإنسان العربي يحتفظ بصورة نمطية ممتازة عن الرئيس التركي، منطلقة من منجزاته التنموية، في مناصب متعددة، ولا يمكن لعاقل أن ينكر هذه النجاحات، وبسببها يسقطون كل تاريخ التطور التنموي على مشروعاته السياسية، متجاهلين الفروقات بين الملفات التنموية والسياسية، بين العمل في الداخل أو التعاطي مع الخارج؛ لذلك لو قرأت مسيرته السياسية، بشكل محايد، وخاصة في السنوات الأخيرة، ستجد الكثير من الأخطاء واللغط، ولكن المتلقي يغفر له بذريعة التنمية. وأي باحث مهتم في شؤون الشرق الأوسط، والمجتمعات العربية على وجه التحديد، سيجد أن خيباتهم (التنموية)، على مدى عقود، مع رؤساء محددين ومتغيرين، جعلتهم ينظرون لـ”تنمية أردوغان” بتطرف، تغفر كل الزلات السياسية، والفشل في بعض الملفات المحورية في المنطقة، والتعاطي غير المسؤول مع بعض الحكومات الإرهابية، كنموذج مثالي كانوا يتمنونه لبلدانهم.
هذا ليس كل شيء، فمصاحبة كل ما سبق، أجاد السيد رجب تقديم نفسه كمشروع قائد إسلامي، والعرب عاطفيون جدا بطبيعتهم، برغم كل النكسات والقصص المشابهة، وقد أتفهم ذلك على مضض، من باب محاولة إيجاد نماذج – مهما تكن – كبديل للوضع العربي والإسلامي الحالي، ولكنهم لا يعتبرون، فهم إلى وقت قريب كانوا يرون “حسن نصر الله” بنظرة مشابهة.. تغير الزمن وانكشفت الأوراق، والزمن كفيل بذلك دوما. والسلام