لماذا يستقيلون؟!

يمكن القول بأن العمل، أو ثقافة العمل، بمفهومها التقليدي لم تعد موجودة، أو قلّت بشكل كبير، لأنها تطورت وتحورت، واختارت مناهج حديثة، بعضها بفعل متعمد، قائم على دراسات وتحليل، وخطط واستراتيجيات، وغيرها فرضتها المتغيرات بشكل عام، منها ما يؤثر بشكل مباشر، وأخريات غير ذلك.. ولكن أرى أن أهم عنصر في هذه التحولات، هو الانفتاح التقني والتدفق المعلوماتي، والمنصات بمختلف أنواعها، والتي خلقت الكثير من الخيارات، وعبدت الوسائل الحديثة للتفاعل.

مهم جدا، أن نشير لتراجع نسب ما يعرف بـ”ولاء الموظفين”، ولم تعد العلاقة بين الموظف ومنظمته كما كانت في أوقات سابقة، بالرغم من تطور برامج الولاء وقروض الموظفين، إلا أنها لم تحقق الإغراء الكافي لسد فجوة هذا التراجع، ولذلك تجد معظم المؤسسات تعاني من التسرب الوظيفي؛ حتى مع تنامي معدلات شح الوظائف وقلة فرص الاستقطاب، وهي تناسبات عكسية غريبة، بالنسبة لمن تكون حساباته (مالية) فقط.. الأمر اختلف تماما، كما أفهمه على أقل تقدير.

العنصر الأول، أو أستطيع تسميته العنصر الرئيس، لهذه القضية، هو توفر الأرضية التعاقدية لتقديم الخدمة، بدون وجود التزام كامل، أو ما يسمى مجازا “الوظيفة”، مع إمكانية تقديم ذات الخدمة لأكثر من عميل، لأكثر من مرة، والحصول على مردود مالي أكبر، والعمل من البيت، وأثناء السفر والسهر، والتمرد على النظرة الجامدة للعمل، من خلال ما يعرف اقتصاديا بـ”اقتصاد الواحد لواحد” (Peer-to-Peer Economy)، أو يمكن تسميته الند إلى الند. الذي يمكن وصفه بالبيئة الحديثة لمعظم الأعمال، الإبداعية على وجه الخصوص.

أمر آخر، يصب في نفس شلال القضية، وهو استنتاج شخصي، قائم على الرصد العشوائي والملاحظة، ويحتاج لعمل ممنهج يثبت هذه الفرضية أو يسقطها، يتمثل في ميل الأغلبية للمقارنة، حيث سهلت الشبكات الاجتماعية “اختراق” حيوات الأفراد، التي يُظهرون منها الجانب المضيء غالبا، وأتحدث هنا تحديدا عن الـ”رياديون”، ومضطر لأ أكتبها بالرفع، لأنها أصبحت مصطلحا للشرح، أكثر من كونها مفردة مجرورة.. المهم، أن الكثير يميلون لتكرار تجربة الآلاف في ريادة الأعمال، إذا ما قفزنا على المعنى الحقيقي للريادة، واستطعنا أن نفرق بين “ريادة الأعمال”، و”المشروعات المتوسطة والصغيرة”، وغيرهما، وهو الأمر الذي زاد من درجة المخاطرة في تجاهل الوظيفة.

وشخصيا أميل للمخاطرة بشكل عام، وتحديدا على مستوى المسار المهني، ولكن المخاطرة المدروسة، فلكل شيء معطياته، بالإضافة للفوارق الفردية والظروف المحيطة.

في ذات الوقت، لا يمكن تجاهل حلم الكثيرين بالشهرة، والتي تمنحها مواقع التواصل الاجتماعي، بلا مجهود كبير في معظم الأحايين، وهو ما يمثل طريقا سهلا للتكسب والثراء أيضا، ما يغني عن مئات الساعات من العمل، وهو أمر قد يكون صحيحا، لكنه ليس آمنا – بنظري – إذا ما تم تطويره، وفي أذهانكم مئات النماذج، التي بزغت ثم ذابت قبل أن تغرب، مع إمكانية شروقها أطول من ذلك.

سؤال، يلخص كل هذه الثرثرة: لمَ كل ما ذكر أعلاه؟!

باختصار، المؤسسات التي لا تعمل على أن تكون مكان الشغف للموظفين، سيجدون شغفهم يوما، في مكان آخر.. ويغادرون! والسلام

افتتح النقاش على هذا المقال بتعليقك. ليكن أول تعليق

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام