سابقا، ومفردة “سابقا” تحتاج إعادة تعريف لأن الأشياء أصبحت تتسارع أكثر من المعتاد، المهم أنه – سابقا كما ذكرت – كانت الصناعة، وبحسب تعريفاتها التقليدية، تؤطر بمفهوم تقديم خدمة جديدة، أو منتج معين ضمن صنف ما، وهي عبارة عامة تطلق على أي نوع من المنتجات الاقتصادية، وتعتبر الصناعة مرادفة للقطاع الاقتصادي الثانوي الذي يعنى بالنشاطات الاقتصادية المعقدة كتحويل المواد الخام إلى منتجات وخدمات ذات فائدة.. لكن الأشياء لم تعد كذلك!
كل الأشياء تحولت مؤخرا، وتمت إعادة صياغة كثير من الأشياء بما فيها الحقول الاقتصادية، ومفهوم الصناعة كأحد المتغيرات، حيث اختلفت المعايير والمعطيات، والظروف المصاحبة، وتنوعاتها وأسباب نشؤوها، وحتى الأفرع الرئيسة التي تقودها، وتقدمها بشكل مستقل.
ما الذي أرمي إليه، بعد العرض أعلاه، أو الفلسفة حتى أكون دقيقا – أعانكم الله عليها -، فقط لأصل للحديث عن “صناعة تقنية المعلومات”، سواء كانت كمورد مساند أو آخر رئيس، فالأول يأتي كونه عاملا مساعدا لتسهيل عمل الصناعات التقليدية، وتسريع خطوات نموها وعملها، وتطورها باستمرار، من حيث خلق أفضل وأسرع الطرق التي تعمل على تسهيل الحصول على المعلومات والبيانات، وجعلها متاحة ومتوفرة لطالبيها بأقصى سرعة وفعالية.. أما الآخر، فالتقنية كآخر مستقل، قادر على تشكيل اقتصادا مختلفا، يخلق على أرضية تقنية، ويستهدف جمهورا تقنيا، دون الحاجة للمقومات التقليدية، كالأيدي العاملة، على سبيل المثال، (بشكلها المتعارف عليه)، لأنك أمام فضاء مفتوح، وكذلك الأسواق، حيث العالم كله سوقك، وأيضا النقل والمواصلات.. وموارد المياه، وغيرها.
من المقومات التقليدية “رأس المال”، وهو عنصر رئيس لبناء أي صناعة، ولا يمكن الاستغناء عنه، بيد أن الأمر اختلف من ناحية تقليل التكاليف، وتنوع الخيارات، من خلال اقتصاد الواحد لواحد (Peer-to-Peer Economy)، أو يمكن تسميته الند إلى الند، الذي قد يندرج تحت ما يعرف بالاقتصاد التشاركي أو المشاركة (Sharing economy)، والذي يمكن أن نعرفه على إنه “مجموعة المعاملات التجارية أو الخدمات التي تتم بين الأفراد أنفسهم، فرد لفرد، وليس بين شركة وفرد، مثلا عندما يقوم فرد عادي بتقديم خدمة مدفوعة يستفيد منها فرد عادي آخر، أو عندما تتم عملية البيع بين فردين عاديين، بدلا من أن يشتري الفرد المنتج من شركة أو مؤسسة”.
شبه شائع، الحديث عن تأثير التقنية على فرص الوظائف، وهو صحيح بالتأكيد، ولكن الإشكالية أن قلة يتحدثون عن الفرص المقابلة التي تصنعها التقنية، من خلال صناعاتها الحديثة، والتي تتطلب – بالضرورة – تخصصات ومهارات عصرية، وفكر جديد، بل أنها تمنح حرية أكبر للأيدي العاملة، وصاحب العمل، في آن.
ورغم كل شيء، فالفتح الكبير سيكون مع “إنترنت الأشياء Internet of Things – IOT”، وما بعده.. الذي سيعيد حياتنا كلها، وتصبح الصناعة التي نعرفها تسكن كتب التأريخ فقط، ولأني أفترض أن المقال هذا سيقرأ في سنوات لاحقة، سواء كنا على قيد الحياة أو لا، فأني أسأل الباحث، الذي قاده حظه البائس لهذه الكلمات: ما شكل الصناعة لديكم الآن؟ وأين وصل بكم القدر صناعيا؟! والسلام