لنتفق أن الوطنية ليست مجرد شعارات تردد، أو احتفالات وقتية، تأتي بموعد ثم تغيب، ولا حتى أعلام منثورة، وألوان موزعة على الجدران، مع أهمية كل ما سبق متى ما جاءت ضمن منهجية جمعية، تراكمية مستدامة، تعمل على مخاطبة العمق، عبر التأصيل الداخلي في ذوات الأفراد.
الكل شريك في غرس مفهوم الوطنية، ومتى ما تخلى أي طرف عن هذا؛ فإن العملية تختل، ويظل هناك شرخ يتسلل منه كل ما سوى ذلك. البيت والمدرسة والمسجد والحي، الكل مطالب بدوره وفق الأطر المسموح بها، أو المتعارف عليها، لكن من غير المعقول أن يرمي كل طرف بالمسؤولية على الآخر، ثم نأتي في الوقت الضائع نفتش عن المقصر!
نمر، أو تمر المنطقة كلها، بوقت عصيب، كفيل بالحديث عن القضايا الوطنية بصوت أكثر علوا، دون تخوين أو مزايدة، ولكن من خلال طرح الأسئلة التي يجب أن تعلق على لائحة الاستفهام..
قبل أيام، احتفلنا باليوم الوطني الـ86 للمملكة العربية السعودية، وهو حدث وفرحة استثنائية، تستوجب الاهتمام من قبل الجميع، وخاصة العناصر المشار لها سلفا، وجميعها قصرت، لكن التقصير كان متباينا، يختلف بحسب الأهمية والتجاهل وغيرها. وهو الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن صمت الأغلبية العظمى من خطباء الجمعة، عن التنويه لهذه المناسبة، وعدم الإشارة للوطن، ونحن نعلم كمية التأثير لهذه المنابر، وضرورة الحديث عن ذلك، مع العلم أنني قمت بسؤال عدد كبير من الأصدقاء، من مناطق وأحياء مختلفة، وكلفت بعضهم بالسؤال، وعملت بحثا سريعا عبر الشبكات الاجتماعية، وللأسف أن النتيجة تقول بتجاهل عدد كبير من الخطباء لهذا الحدث.
مثل هذا الأمر، يحتم علينا أن نعيد فتح ملف «خطب الجمعة»، والذي لم تنجح «وزارة الشؤون الإسلامية» في عمل استراتيجية واضحة له، رغم كل الحلول المقترحة، والمطالبات الدائمة، والاحتياج المرحلي، في ظل صمت غريب، من قبل الوزارة، التي قد تأتي يوما وتكتشف أنه لا سيطرة لها على هذه المنابر.
في نفس المنطقة، أو بمنطقة موازية، صمت بعض رجال الدين، الذين أزعجونا ثرثرة بالاحتفاء بالمناسبات والأحداث الحزبية، وبعض القضايا المتطرفة، وغابوا في يوم الوطن، كما لو كانوا لا يقرون بمثل هذا الانتماء، أو أن الوطن لا يعنيهم.
هذه المؤشرات، التي قد يراها البعض هامشية، هي المؤشر لاتجاه الكثير من الأشياء، تحتاج التشخيص والعلاج مبكرا.. لأننا لا يمكن أن نعدل شيئا «بعد خراب مالطا»! والسلام..