من الضروري جدا أن نشير لأمر مهم، نعيده مرارا ودائما، عند التعاطي مع أي قضية تتعلق بالإعلام الرقمي، بكافة أشكاله وبمختلف تسمياته، وهي أننا لا نزال في طور التشكل، ما يعني أن الرؤى والاستنتاجات نابعة – على الغالب – من الممارسات الذاتية، والرقابة المتسلسلة، ولا تعتبر نظريات اتصالية ثابتة، خاصة أن صناعة الاتصال ككل في مرحلة تغير كبيرة، تمت معها إعادة تعريف الكثير من الأشياء، وبزغت بمصاحبتها مستجدات لم تكن مألوفة، أو حديثة على أقل تقدير.
الحديث عن صورتنا في مواقع التواصل الاجتماعي، يحتم علينا الإشارة لكيفية استخدامنا لهذه المواقع، حتى يسهل علينا تفكيك المنطلقات الجمعية والفردية، خاصة وأن ما يحدث لدينا في الشبكات الاجتماعية لا يحدث في أي مكان بالعالم، لأسباب متنوعة، وهذا مثبت بالأرقام الرسمية، المتعلقة بعدد الحسابات التفاعلية أو بنسب النمو. لذلك، يجب أن نقر بأننا نمارس الحياة الحقيقية في عالم الافتراض، وقد يكون الافتراض أكثر حقيقة، على أصعدة كثيرة..
من المهم كذلك أن نتعامل مع الأمور بعفوية كل العالم، ولنبتعد عن فرضية “المجتمع الملائكي”، لكي نتجاوز عراقيل الانفتاح على هذه الشبكات، ونعبر مطبات التصنيف والتخوين، وفرض طريقة استخدام أحادية، بمنأى عن “التشبيح الإلكتروني”، حتى لا ننشغل بالقضايا الهامشية المزيفة، التي تأخذ الوقت والجهد، ثم تتلاشى كغيمة.
للأسباب أعلاه، وغيرها أكثر، ثم إلغاء – وأتمنى أن أكون دقيقا في وصف الإلغاء – لما يسمى بـ”النخب”، أو النخب التقليدية على أقل تقدير، التي كانت ترسل ولا تستقبل، ولا تتفاعل مع الآخر، باختلاف تعريف الآخر، وحضرت بدائل كثيرة، أكثر تفاعلية وحيوية وتطورا، أخذت مكان النخبوي التقليدي، مع عدم إغفال وجود عدة مجتمعات متفرعة، ووجود نخب متخصصة، فالأشياء تختلف بحسب المنصة والمتلقي والمحتوى.
أعتقد أنه وبمصاحبة كل ما سبق، ورغم كل هذا الحضور في الإعلام الرقمي، إلا أن هذه الجهود فشلت في مخاطبة الخارج، أو الاندماج في المجتمعات الأخرى، بصورة افتراضية، وإنما أغرقت في تناحرات وخطابات داخلية، كان لها أن تستثمر وتوظف بشكل أفضل وأكبر.
كل هذا، قابله ضعف تمثيل من قبل المنظمات، سواء أكانت الحكومية أم الخاصة، بجانب حضور متواضع للمؤسسات الإعلامية التقليدية، التي تعاملت معها بشكل مناهض في بداية الأمر، اعتقادا منها أنه عمل تنافسي، متجاهلة أنه تمدد لحضورها، وهو الأمر الذي أفقد تأثيرها.
لذلك من المهم أن نشير إلى أهم التحديات التي نواجهها في هذا الإطار، والتي تتمثل في ضعف الأنظمة والتشريعات، وعدم وجود مرجعية واضحة، وكذلك ضعف عمل السفارات الإعلامي، وعدم وجود استثنائية تذكر عبر هذه المنصات، بالإضافة لغياب الوعي الإداري المتطور لدى المؤسسات الإعلامية التقليدية.
ولكن.. ولنتجاوز النقد والتنظير إلى العمل، ماذا يجب أن نفعل؟
أولا: وهو الأهم بنظري، ضرورة وجود مظلة جامعة توحد الجهود.
ثانيا: دعم المبادرات الفردية ومنحها الصبغة المؤسساتية.
ثالثا: انفتاح أكبر للمؤسسات الإعلامية، والاستثمار في البيئة التقنية والرقمية بشكل أوسع.
والأهم من كل ما نثر، هو لا بد أن تكون هناك حرية للمعلومات، بهامش أعلى من السابق، لتمكين الجهود الفردية من تقديم محتوى قابل للقبول خارجيا.. بعيدا عن الشعارات التقليدية، والقناعات الداخلية. والسلام