هناك حقيقة مرة، تقول بأننا – وللأسف – محرومون من بعض منتجاتنا الإبداعية، بسبب أعذار ليست منطقية غالبا، وهذا الأمر ليس شيئا طارئا، ولكن منذ فترة، ونحن ننتج الإبداع، ونصدره للخارج، ونتلقاه عبر وسيط، الأمر لا يتعلق بمنتج محدد، وإنما ينطبق على أغلب الإبداعات، الفنون بمختلفها وتنوعاتها، وتحديدا الموسيقى والدراما، بكل أشكالها، وغير ذلك كثير.
كنت محظوظا، حيث فزت بمشاهدة الفيلم السعودي “بركة يقابل بركة”، برفقة أكثر من 200 شخص، في أبو ظبي، وبتنظيم “سينما عقيل”، والذي لم يتح لي أن أشاهده في السعودية، رغم أن أحداثه مغرقة في المحلية، والقضايا الفكرية الداخلية، وبتفاصيل لا يفهمها غالبا إلا من عاش في السعودية، أو عاش السعودية، حيث قام بتوثيق تفاصيل مهمة، لمراحل متعددة، بعضها سقط سهوا من أرشيف التاريخ، وبعضها الآخر سقط عمدا من ذواكرنا.
العمل بشكل عام جميل، وكنت سعيدا بالمستوى المتقدم للمنتج السعودي، رغم كل التحديات، فلا معاهد متخصصة، أو سينما، ولا حتى تشريعات واضحة، ومع ذلك تجد هناك تمردا على الظروف، ومحاولة خلق منتجات إبداعية متوازية مع الآخرين، في المجتمعات التي لديها كل الإمكانات.
فنيا، أزعجني كثيرا محاولة “حشر” أكبر عدد من القضايا في فيلم واحد، لأن ذلك قد يشتت المتلقي، ولا يجعله متسقا مع تسلسل الأحداث، هذا من زاوية، ومن الزاوية الأخرى فيه ظلم للقضايا، التي تحتاج أعمالا مستقلة، تمنحها كل الاهتمام، وليست مجرد ثوان في ذاكرة البطل، فليس من المعقول أن نتحدث عن الأيتام، والصحوة، والتطرف الفكري، وتراجع مستوى المنتخب السعودي، والنخب الفكرية، واستجابة المنظمات للفكر المجتمعي، وظاهرة المشاهير الجدد، أو ما يعرفون بـ”مشاهير الإعلام الجديد”، والطبقات الارستقراطية، والبيروقراطية الحكومية، في عمل واحد.. هذا ما أتذكره، وأعتقد أن هناك بعض الأشياء الأخرى. الأمر مربك، فعلا مربك، حتى لو أدركنا أن هناك قضايا رئيسة، وأخرى ثانوية، مربك جدا، بنظري على أقل تقدير.
بطلا العمل، بركة وبركة، قدما شيئا مختلفا، فلأول مرة أرى سعوديا يقوم بدور كوميدي، إلى حد ما، ولا يحاول أن يخرج “ناصر القصبي” الذي بداخله، كما شاهدت الجانب النسائي الحديث، الجيل الذي يمثل المرحلة، يستوعب المتطلبات، ويستجيب للذائقة، عمقا وأداء وفهماً للشخصية، بعيدا عن الابتذال و”السماجة”.
السيناريو، كما أراه، ليس مميزا، ولا أقول إنه ضعيف، ولكنه ليس مؤثرا، كتب بطريقة عادية، عادية جدا، لم يكن عميقا، أو مختلفا، وقد أتفهم هذا – على مضض – لوجود أزمة في مسألة الكتاب، كما يردد المهتمون في الصناعة دائما، ولأن الإغراق في المحلية يصعّب الاستعانة بالخبرات الخارجية، لكن هناك الكثيرون الذين يستطيعون تقديم ما هو أفضل.
بشكل عام، العمل أعجبني، وكنت مدهوشا من المستوى الذي وصلنا له، وأعتقد أنه بمثابة نقطة التحول إلى العمل الاحترافي الجاد، الذي يحتاج دعما “حكوميا” للتطور أكثر.. والأهم، أن كل ما ذكرته يعد رأيا شخصيا، وقد لا يرتقي للنقد الفني، فلست بالمتخصص ولا بالمراقب، وإنما مشاهد، مجرد مشاهد، يحاول أن يتابع الأحداث من عدسة الفضول.. والسلام