الكثير، حول العالم، يفقدون وظائفهم يوميا، وهو أمر ليس بجديد، لكن ما هو طارئ، ليس طارئا تماما، هو أن التقنية صارت أحد أهم عوامل البطالة، وبديلا رئيسا للكثير من الموارد البشرية، يمتاز بالانضباطية والدقة والتكاليف المنخفضة.
لم تختر التقنية قطاعات وتستثني أخريات، بل تغير من ملامحها جميعا. الاختلاف أنها تعجل في بعضها، وتؤجل غيرها، وتبتز البعض المتبقي.. بالتأكيد، كمتلقٍ، فإن البديل التقني أجود وأسرع، لكن -في الوقت نفسه- لست متأكدا من مدى أفضلية ذلك، على المدى البعيد، كون أن التشكل عملية مستمرة، تحتاج فترة لتنضج، قد يكون عمرها عقودا.
الصحافة، وبعيدا عن “الجدليات البيزنطية”، تأثرت كثيرا جراء التقنية، ومعظم النقاش حول مدى التأثير، لا عن إثباته، لكن ما يهمني في هذه المقالة؛ هو الحديث عن مستقبل المنتمين للصحافة، من صحافيين وغيرهم. خاصة إذا ما علمنا أن “رويترز”، وفق ما أعلنت، تنتج يوميا 40 قصة صحافية، وتستقبل 950 تنبيها إخباريا، معتمدة بشكل كلي على التقنية، وهي أرقام مرشحة لأن تنمو أكثر مع الوقت، وتتحول من الوكالات للصحف.
أتفق مع ما يفكر به الأغلبية، عن أن اللمسات البشرية شيء أساسي في العمل الصحافي، بل في كل عمل، لكن يجب أن نتذكر أن التدخل يقل تدريجيا مع تطور التقنية، حتى يتلاشى تماما.. حتى أنني أفكر باستمرار إلى النقطة التي يفترض أن يصل إليها البشر، حيث توصلت بخيالي المتواضع إلى أن الإنسان سيتوقف تماما عن عمل أي شيء، لا وضوح لدي حول ملامح الحياة الجديدة، ولكنها بالتأكيد لا تشبه حالنا الآن.
ما أود قوله، هو وجوب أن يعمل الصحافيون على تطوير أدواتهم، حيث يشتكون من التحول دون مواجهته، أو العمل على احتوائه والتمدد معه، ولديهم الكثير من الخيارات التي قد تساعدهم.. أحد الخيارات هو تطوير المهارات الاتصالية، والقدرة على الانتقال من المجال الإعلامي أو الصحافي إلى مجال العلاقات العامة، الذي يشترط مهارات مختلفة، المهارات الصحافية أحد أهمها، ضمن بحر من المهارات والشروط.
يرفض العديد من الصحافيين الاهتمام (أكثر) بالإعلام الرقمي، وبعضهم يعتقد أن الاستخدام هو المظلة الكاملة للعمل في حقله، بينما هو علم مستقل له أسراره، كما للصحافة أسرارها.. فهمه يمكن الصحافيين من شغل الوظائف الجديدة في الإعلام الرقمي، أو بناء المشروعات الفردية الخاصة عبر منصاته.
من المهم أن أشير إلى أن الذين يعملون في المجال الرقمي، من خلفية صحافية، يتميزون بالمحتوى سريعا، على عكس العاملين بخلفيات تقنية أو تسويقية، وهذا عنصر يدفعهم للتحول سريعا.. سريعا.. والسلام.