لست متأكدا، ما إذا كان أرسطو سيجيب، هذه الأيام، كإجابته في أيام خلت، عندما سئل: كيف تحكم على إنسان؟ فرد: أسأله كم كتابا يقرأ.. وماذا يقرأ؟. وفي الوقت نفسه، لم أعد واثقا، من دقة المثل الصيني الذي يقول إن “الكتاب نافذة نتطلع من خلالها إلى العالم”، نعم.. الأشياء تغيرت، لا يمكن القول أنها أكثر مما ينبغي، ولكن أبعد مما كنا نتوقع.
حقيقة، أعيش صراع مع ضميري في السنوات الأخيرة، حيال تناقص معدل ساعات القراءة من جداولي، وأحاول أن أتغلب على هذا بالقراءة أكثر في نهاية الأسبوع، وفي السفر، وأثناء الوقوف عند إشارات مرور الرياض الطويلة، ورغم ذلك أعتقد أنني اقرأ أقل مما يجب. جراء تحول الكثير من عاداتنا الحياتية، وعيشنا في الواقع الافتراضي أكثر، وانغماسنا في الشبكات الاجتماعية. وهي مشكلة يعاني منها الأغلبية، ولست وحدي، ولكني أكتب لأعترف بها أولا، ولأبحث معكم عن حلول.
أفهم أن أشكال صناعة المعرفة اختلفت، واستحدثت قوالبا جديدة للحصول على المعلومة، كل المعلومات، وصارت تأتي بأشكال صور ثابتة ومتحركة، وبنصوص متفاوتة الأحجام، عبر المنصات المختلفة. ومقتنع تماما، أن كمية المعرفة الحالية أكبر بمراحل من السابقة، لكني أتحفظ على شكلها وبقاءها وعمقها، فهي – كما أعتقد – ليست موثوقة دائما، وسطحية غالبا، ومؤقتة؛ عمرها ثوانٍ، ولا يمكن الرهان عليها في المخزون المعرفي العميق!
ودعما لفرضيتي في الأعلى، المتعلقة بعدم الرهان كثيرا على المعلومات المنثورة على قارعة الإنترنت، تؤكد إحدى الدراسات إن زوار المواقع الإلكترونية نادرا ما يقرؤون الموضوعات كلمة كلمة، 97% يقرؤون بطريقة المسح، و3% (فقط) يقرؤون كلمة كلمة!
العاملون في صناعة المحتوى، كما أفعل، بكل أشكاله، والنصي على وجه التحديد، نواجه أزمة في خلق الأفكار، والحصول على المعلومات “الاستثنائية”، والعمق والجودة، وهو كله بنظري بسبب قلة المداومة على القراءة المركزة العميقة، في كل المجالات.. لا أحد مستثنى.
حتى الاقتصاد، كوني أكتب هذا الهم عبر مجلة تهتم بالاقتصاد، أو تتخصصه، صارت المعلومة الاقتصادية “الرقمية” متاحة للجميع، وهو أمر محمود بالتأكيد، لكن المشكلة أن بعض الدخلاء استغلوا توفر المعلومة العامة السطحية، وروجوها على المتلقي محدود الثقافة الاقتصادية، ووظفوها توظيفا سيئا.. ويمكنكم بالتأكيد قياس الضرر، على الأفراد والمجتمعات، وكذلك المستثمرين.
والآن، وبعد ثرثرتي الطويلة عن هموم قد لا تعني أحدا، ماذا عن الدراسات التي تؤكد ما قلت؟ هل الانطباعات حقيقية.. أو مجرد تخوفات شخصية، لا يجب تعيمها! آخر الأرقام التي حصلت عليها، تقول إن لجنة تتابع شؤون النشر، تابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، وجدت إن متوسط معدل القراءة في العالم العربي لا يتعدى ربع صفحة للفرد سنويا.. “ويعتبر هذا المعدل منخفضا ومتراجعا عن السنوات الماضية، ففي عام 2003، وبحسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن اليونسكو، كان كل 80 عربيا يقرأ كتابا واحدا، بينما كان المواطن الأوروبي يقرأ 35 كتابا في السنة، والمواطن الإسرائيلي يقرأ 40 كتابا”.
في الأخير، ليس واضحا لي، قبل أن يكون لكم، ما أود قوله، وما علاقة المعلومات الموجودة في الأعلى بالإنزعاج في داخل جمجمتي، لكن ما أنا واثق منه أنني فتحت مستند word لأكتب شيئا واحدا: لم أعد اقرأ.. وهذا مقلق! والسلام