خاطبوا العالم بالسينما

الأشياء المباشرة، تفشل غالباً في الإقناع، أو تكون صعبة الوصول للهدف، على أقل تقدير، لذلك يلجأ الأفراد -في معظم الأحيان- لطرق غير مباشرة، قد توصف بملتوية، لتحقيق غاياتهم.. تختلف باختلاف الأشخاص، ومهاراتهم. الدول كذلك، تستخدم هذه الأساليب أيضاً، كأحد فنونها الدبلوماسية.

الحكومات، أدركت أخيراً، في آخر ثلاثة عقود تقريباً، أهمية هذا الفن الدبلوماسي، والذي سمي بـ”القوة الناعمة”، المصطلح الذي صاغه “جوزيف ناي”، في كتابه الصادر عام 1990 بعنوان “مقدرة للقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية”، كأول استخدام، بحسب بعض المراجع. وتعني: أن يكون للدولة قوة روحية ومعنوية، من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق، ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن، مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره.

السؤال: هل نستخدم قوتنا الناعمة؟ الإجابة المختصرة: نعم. لكن الإجابة العميقة: لا. في الحقيقة، نحن نعاني من أمرين رئيسيين: الارتجال في توظيف هذه القوة، وعدم استخدام كافة الموارد الممكنة. لكل شق منهما مسيرة من الشرح، لكني سأقفز للثاني مباشرة، ولمورد واحد فقط من أصل المئات.. المتمثل في “السينما”.

أستطيع القول: إن تعطيل السينما لدينا، وبمنأى من الظروف والأسباب، فوت علينا فرصاً كثيرة، نخاطب بها العالم بمنتجنا الفني، نعبّر بها عن إنسانيتنا ومواقفنا، ونفصح عن جوانب مجتمعنا غير المعروفة، ونقول له إننا أكبر من صورة بعير وجمل وبرميل نفط..

بالتوازي، استغلت الحكومة الإيرانية هذه القوة للترويج لأفكارها، وأحلامها التوسعية، والتجييش ضدنا، وحاولت أن تدعم وتمول كل الأفلام التي تشوه صورنا أمام المتلقي العالمي.. وصارت لديها منتجات دورية، تشارك بعشرات المهرجانات السينمائية، حول العالم، وتوزع رسائلها بطرق مختلفة.

الأمر لم يتوقف عند ذلك، بل حولت هذه “القوة الناعمة”، من اللا مباشرة إلى المباشرة، بعدما استغلت (الأوسكار)، لترسل رسائلها السياسية، مستغلة التعاطف الفني العالمي، والمشاهدة الكبيرة للحفل.. حينما أدان المخرج الإيراني أصغر فرهادي، الذي فاز فيلمه “البائع” بجائزة أوسكار أفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية، حظر السفر الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رعايا 7 دول شرق أوسطية.

ولحبك المسرحية والتأثير، فقد قرأت بيان فرهادي، الذي قرر عدم الحضور إلى أميركا، بالنيابة عنه امرأة من أصل إيراني، هي المهندسة ورائدة الفضاء أنوشي أنصاري. وأهم ما جاء في البيان “تغيبي هو بدافع احترامي لمواطنين من بلدي.. لم يحترمهم قانون غير إنساني يحظر دخول المهاجرين إلى الولايات المتحدة”.

لا يوجد كلام كثير حول تعطيل السينما، سوى سؤال يتيم: إلى متى..؟! والسلام..

افتتح النقاش على هذا المقال بتعليقك. ليكن أول تعليق

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام