الذين يشبهون تركي السديري لا يموتون، ينتقلون – فقط – من مرحلة لغيرها. غادر ملك الصحافة الحياة وصعد إلى تاريخها. ظل يكتبه عقودا، ليسكنه الآن. كان ملكا ورحل كذلك.. مخلصا نبيلا، وإنسانا، قبل كل شيء.
من يحيطون به، أو عملوا معه، كثيرا أو قليلا، يعرفون تركي الإنسان. يعلمون جيدا كم وهب من ماله الخاص، قبل أن يمنح من مكافآت الصحيفة، لإنهاء أزمات الزملاء وانكساراتهم. كان الملاذ لهم في وجه الأزمات، والمبادر لنصرتهم قبل السؤال. يساعدهم بذكاء، دون أن يشعرهم بالحاجة، أو يصرح بالدعم.
لم يختر السديري الضجيج نهجا في بناء “الرياض”، التي عبر بها أربعة عقود، بصحبة خمسة ملوك، رغم معاركه التنويرية والتنموية، وسقفه المرتفع، بمعايير السياقات الزمانية والمنافسين. كان حديثه المنجز، وقلمه أعلى من صوته، وإنسانيته تسابق مهنيته. يقود فريقه كأب، وينتصر لهم كمحامٍ، وينحاز للمهنة على الدوام.
عبّد عميد الصحافيين طرقه الخاصة في الإدارة والصحافة، لم يكن نسخة من الآخرين، من الرؤساء والإداريين.. كان قريبا من الجميع، والحواجز التراتبية والتنظيمية متلاشية. يستشير الكل في التفاصيل بأنواعها، يؤمن بالتجديد والتنوير والمخاطرة والتغيير، يسبق المرحلة باستشرافه، بوعيه وإدراكه، وإيمانه بفريقه، ونفسه.
ليس من الإنصاف أن نشير إلى السديري تركي كصحافي، أو كرئيس تحرير فحسب، أو أحد القلائل الذين كتبوا أسس الإعلام الحديث في الميدان، وإنما كإداري محنك، في نفس الوقت، بنى مؤسسة إعلامية رصينة، وضعها في مقدمة الركب، تمدد بها على المستجدات، وانفتح على المتغيرات، وكان أول رئيس تحرير يتبنى تدشين إدارة للنشر الإلكتروني، حتى مع كونه أكبر الرؤساء سنا، عندما داهمت التقنية الصحافة، لكنها لم تكن أكبر من عمقه وفهمه.
كما لا يمكن المرور بأبي عبدالله كأحد رموز الصحافة العربية، فقط، بل أحد أهم رجالات الوطن. كان وطنيا.. قبل أن يكون أي شيء آخر. حديث الملوك والوزراء والمسؤولين عنه مرصود، في قلوب الكتب وزوايا التقنية، ومواقفه الوطنية موثقة، وآراؤه منشورة ومعلنة، ونتاجه لا يزل شامخا.
برحيل السديري، خسر الوطن رجلا مختلفا، وهب حياته لمهنته والوطن، عاش شغوفا، يلاحق المعلومة، منحازا للمواطن البسيط، وصوت الشارع، والفكر. بهدوء، قرر الرحيل، كما هي عاداته في التغيير.. عندما تكون الأفعال، هي كل ما يقول، بصمت. والسلام