قبل أكثر من عشر سنوات بدأت التدوين، والغريب أنني بدأته بعد دخولي للصحافة، مع اعتقادي بوجوب العكس. المهم أنني استمررت على أن أكتب بشكل دوري “ومفرط”، حتى صار لي عمود دائم ومستقل، تنقلت به بين الصحف والمجلات، سعوديًا وخليجيًا، وعندئذٍ أستطيع القول بأنني توقفت عن التدوين، إلا من بعض “الطربات”.
ما زلت أكتب بشكل دوري في الصحف، لكني أفتقد حماقات التدوين، التي تقول بها كل شيء دون فلترة، وتتحدث عن أشيائك بسذاجة، دون أن تراعي ردات فعل القراء المتوقعة، وسؤالهم عن فائدة ما تقول في حياتهم.. التدوين هو أن تكتب لنفسك. أما الكتابة الصحفية، فهي للآخرين غالبًا. يجب أن تكتب بكامل أناقتك، وتسلم المقالات في الوقت المحدد، وتخلق الآراء التي تتماشى مع القضايا العامة. أما في التدوين، فلا مواضيع محددة، ما لم تكن كاتبًا متخصصًا، وهذا يعطيك الحرية للكتابة عن طقوس يومك، وسفرك، وعلاقتك بالأشياء والناس، وأن تعبِّر عن غضبك وفرحك وجنونك.
أشتاق حقًا للكتابة بلا قيود، لأن أقول بأنني توقفت عن حب “الكابتشينو” منذ سنوات قليلة، والحقيقة لا أعلم لِمَ، لكني توقفت فعلاً عن شربه.. عن رغبتي بالتفتيش عن المدن الهادئة في السفر، على عكس المدن المزعجة التي كنت ألاحقها، عن عدم الاكتراث كثيرًا بـ”النصر”، عدت معه قليلاً؛ لكنه لم يكن يشبه النصر القديم. فقررت هجرته، لكني لست متأكدًا من ذلك.
الشبكات الاجتماعية سرقت منا مهارة الثرثرة الكتابية، جعلتنا نختصر كل شيء، حتى المشاعر والغضب. صرنا أكثر ميلاً للكتابة بحروف قليلة.. نغيِّب دهشة التفاصيل والوصف، ونكتفي بالإحالة إلى الماضي، بكل ما يتضمن.. وهو ثري للحد الذي يوقفنا تمامًا عن الثرثرة.
قررت العودة للتدوين، وأنا في الطائرة، عائدًا من إجازتي السنوية، توقفت بها حتى عن الكتابة، على غير العادة.. استفزتني الكثير من الأشياء للسرد، لكنها لا تصلح لأن تكون مقالات جادة، في صحف يومية، يتعامل معها القراء بتجهم تقريبًا.
الحديث عن وجوه الناس، وحماقات اللحظات، والأسرار الصغيرة، ولذة الاكتشاف، تحتاج نوعًا مختلفًا من الكتابة، لا يقيد بوقت أو عدد كلمات، أو تخصص. أن تفتح صنابير الحديث، وتترك الكلمات تتدفق في جداول السمع، بلا مناسبة ولا توقيت.
تخيلوا، من الأشياء التي أشغلت تفكيري، يومًا كاملاً، وأنا أحاول أن أفسر حياة مرشد سياحي، يعمل سائقًا لباص في مدينة غارقة بالتاريخ، يدور على أهم معالمها.. ليردد نفس المعلومات، 10 مرات في اليوم تقريبًا، لمدة 27 عامًا. أحتاج شخصيًا ربع الصبر الذي لديه، وقدرته على التكيف مع الروتين، وعدم الملل.. كان يشرح لنا وروحه كلها حياة، ويلغم حديثه بالنكت، وكأنه في يومه الأول من العمل.. فعلاً عجيب! والسلام..