لنكون واضحين، لأننا في زمن لا يحتمل الضبابية كما أعتقد، لهذا أقول: إن الفساد كان -ولفترة طويلة- جزءاً من ثقافتنا، سواء بطريقة مباشرة أو ملتوية، تدعمها بعض الممارسات المجتمعية، المتمثلة في التشريعات المعروفة غير المكتوبة، وتساندها الثغرات القانونية، لدى بعض الأنظمة التي تسمح بالفساد، بمسميات كثيرة.
في نفس الوقت، ورغم أهمية ملف العدالة؛ إلا أنه من غير المنطقي أن نتحول بين ليلة وضحاها إلى مصاف الدول التي تقوم بمحاكمة العاملين بالحكومة وفق سلسلة إجراءات قضائية واحدة وواضحة، شرعت منذ عقود، لأن الطبيعي أن التحولات تأخذ نصيبها من التحولات والتشكل، مع ميلي إلى أن تكون سريعة، واستيعابي لطبيعة المرحلة والانتقال والمجتمع.
لا أظن أن المتهمين في ملفات الفساد سيتم التعاطي معهم وفق الإجراءات التقليدية، لاعتبارات كثيرة، منها ما هو مهم بنظري:
– وجود أنظمة استثنائية، خص بها الملك سلمان، “لجنة مكافحة الفساد”، واستثناها من الأشياء ذات العلاقة. ما يعني وجود تسويات ومحاكمات بحسب تقديرات اللجنة، التي يفترض أن تستوعب السياقات المختلفة، والمصلحة الوطنية.
– حداثة الحالة، على مستوى المنطقة، فلا أعتقد أنه يمكن القياس على أي قضية أخرى. لأن هذه القضية، وهذه الإجراءات، تعتبر شيئاً مستحدثاً على الثقافة القانونية في المملكة، وسابقة من خلال نتائجها تقر التشريعات، ومن خلال التقصي تتضح المداخل القانونية التي تسمح بالتجاوزات.
– تداخل الملفات، والمراحل والأجيال. التقاطعات كبيرة، وفك الألغاز والوصول للدلائل يحتاج جيلاً كاملاً من التغير والأنظمة، وهذا ما قد يمر بسلسلة غير منتهية من التقصي والبحث، لذلك أرى أن التسويات قد تبدو الأنسب، بعد قياس الأثر منها، ومقارنتها بالحلول الأخرى.
– صعوبة الإثبات، وأظنه من المستحيل -تقريباً- حساب حالات الفساد بدقة، أو الوصول لكمية المال المسروق، ما يجبرنا (إلى حد كبير) في السير مع قرار التسويات، التي تعود على الخزينة بالأموال، كأفضل الخيارات بالنظر إلى عودة “اللا شيء”.
وهذا ليس تقليلاً من سقف الطموح، ولكن في الحقيقة لم نكن لنحلم بنصف ما حدث، ما يوجب أن نستوعب كافة السيناريوهات المرصودة للحل، لأننا على أعتاب مرحلة جديدة، قادرة على رسم الأرضية الكاملة للمحاسبة، التي تجعلنا نسأل مستقبلاً عن تفاصيل المحاكمات.. ونرمي الأسئلة الكبيرة! والسلام.