لست متفاجئًا، مما كتبه العزيز الدكتور جاسر الحربش، عن توديعه لزاويته في الزميلة “الجزيرة”. وأراه طبيعيًا أن يكون هناك انزعاج في ردات الفعل، من قبل عدد من الكتاب والمهتمين، ولكن – وبنظرة واقعية – أتوقع أن الكثيرين سيغيبون، بتوديع أو بدون، وبمبررات مشابهة، وغيرها كثير، كثير.
لأني أُومن دائمًا أن الناس، كل الناس، يجب أن يكونوا كتّابًا، ويدونوا أفكارهم وتجاربهم وأحلامهم، مع اختلاف الفوارق الفردية والموهبة والوعي؛ فإنه يزعجني جفاف أي قلم. في الوقت نفسه، أتعاطى مع هذا بمنطقية، لا عاطفة، لأن قوائم المعطيات كثيرة.
لا أعرف لِمَ كنت أسمع رسالة “سوزان سونتاغ”، وأنا أقرأ مقال الحربش في نفس الوقت، عندما كتبت مقال تأبين في الذكرى العاشرة لوفاة “خورخي بورخيس” 1996، وتحديدًا هذا المقطع: “أود أن أعتذر لتحتم إخباري إياك بأن الكتب أصبحت أشياء مهددة بالانقراض. وبجانب الكتب، تلك الأجواء التي تجعل من الأدب وروحه يتغلغل في أعماقنا. كما يخبرنا التقنيون، فسوف نقتني قريبًا (شاشات عرض)، ونستطيع من خلالها طلب أي (نص) نريد. وسنستطيع تغيير مظهره، وطرح أسئلة عنه، والتفاعل معه. حينما تصبح الكتب (نصوصًا) فنحن (نتعامل) معها وفقًا لشروطِ توفرها آلة. ستتحول الكلمة المكتوبة ببساطة إلى أفق وشكل آخر لواقعنا التلفزيوني، المدار من قِبل الإعلانات. هذا المستقبل المجيد الذي يُشيَّد لنا، وُصف بأنه (ديمقراطي). بالطبع، فهو لا يعني أكثر من موت الوعي، وموت الكتاب معه”.
باعتقادي، أن تعويل الكاتب على تفاعل القراء أمر لا يجب أن يكون، سواء الآن مع العزوف أو حتى قبل، لأني طالما آمنت بأنه مهمة الكاتب أو الناشر هي نشر الوعي بالدرجة الأولى، والتأثير التراكمي على الأفكار، وكذلك التعاطي مع الظواهر والأحداث والقضايا من منظوره الخاص، وبناء مدن من التنوير. ربَّما أن لاعب الكرة أو الفنان الشعبوي أو غيرهم يغريه كثيرًا موضوع التفاعل، والشعور بردات الفعل، لكن الكاتب شيء مختلف، تمامًا.
من التاريخ، والتجارب، تعلمنا أن مقاومة التغيير والتطورات خسارة، مهما كانت الدوافع والتسميات والحجج. ينتصر غالبًا الذين يستجيبون، ويستوعبون المراحل، ويعلمون أن لكل وقت أدواته ومنصاته، وطريقته في التعبير والتواصل والكتابة، وهذا ما يجب أن يستوعبه الكتاب، ورجال الاتصال والتواصل، وحتى العاملين في خدمات العملاء.
والأكيد، الكتابة لن تموت، على الأقل في الوقت القريب، ولكن يموت فينا – أحيانًا – الشغف، وهذا أصعب، وأثقل. والسلام..