لم يعد سرًّا العبث التركي والأطماع الاستعمارية والاستيطانية الأردوغانية في البلدان العربية، فالمساعي التركية باتت تترجم على أرض الواقع في عدد من البلدان، وانتهاء إلى التدخل الأخير في ليبيا. ولا يخفى على أحد أن كلمة السر في هذه التدخلات، أو غالبيتها على وجه الدقة؛ هي جماعة الإخوان الإرهابية، وتنظيمها الدولي، الذين ارتموا في أحضان “العثمانيين الجدد”، ضاربين بمصالح الأوطان وأمنها القومي عُرض الحائط، حتى باتوا دمية تحركها أوهام أردوغان كيفما شاء.
وأمام هذه التدخلات السافرة، والتحركات المريبة، كانت مصر بقيادة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ثابتة على مواقفها الرافضة للتدخلات الخارجية، والمناهضة للإرهاب والتطرف، والداعية إلى حماية الأمن القومي العربي بكافة أشكاله وصوره.
وهذا الحديث المتعقل، والعمل الدبلوماسي الكبير، الداعي إلى السلام، في المنطقة، والهادف – بالأساس – إلى أمن واستقرار المنطقة العربية وشعوبها التي نحن جزء منها، ربَّما لا يفهمه الأتراك والإرهابيون الإخوان، فيفسرونه في لحظات تماهٍ مع الشيطان وغبائهم على أنه ضعف وقلة حيلة، فتزداد وتيرة أطماعهم ويعميهم ذلك عن اتباع سبيل النجاة، في الدخول في مخاطرة غير محسوبة العواقب والأهداف بالولوج في الداخل الليبي، وتهديد أمن الجارة جمهورية مصر العربية.
لطالما نأت القاهرة بنفسها عن الدخول كطرف في الأزمة الليبية، لإيمانها بأن الليبيين أنفسهم هم الأقدر على حل أزماتهم والعبور بسفينة الوطن إلى بر الأمان. وعندما ساءت الأمور وتأزمت الأوضاع، بادرت مصر بطرح “مبادرة القاهرة” التي أطلقها الرئيس “السيسي” لحقن دماء الليبيين بحضور رئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح، وقائد الجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر. إلا أنه على الرغم من الترحيب والتأييد من القوى المعتدلة والأطراف الدولية لها؛ فإن سيطرة القوى المتطرفة والمرتزقة المدعومين من تركيا على أحد أطراف النزاع، لم تسمح بوضع قرار وقف إطلاق النار موضع التنفيذ، بل تخطت ذلك إلى توجيه رسائل عدائية لدول الجوار، وفي مقدمتها مصر الجارة الشرقية لليبيا.
ولذا، كان على الرئيس “السيسي”، ونحن الآن حيال معركة فارقة تتأسس فيها تهديدات واضحة على الحدود الغربية لمصر، أن يتخذ القرار الحكيم بوضع الجيش المصري – وهو الجيش الأكبر في المنطقة والمصنَّف في المرتبة التاسعة عالميًا – في أهبة الاستعداد، مع التأكيد على هذه المضامين الأساسية الثابتة التي أشار إليها الرئيس المصري أثناء تفقده القوات، وهي:
1- لم تتدخل مصر في أي وقت في الشؤون الليبية، لكن الموقف الآن مختلف، ومعادلة الأمن القومي العربي والمصري والليبي تهتز، والاستعداد بات حتميًا لحماية وتأمين المصالح المصرية والإقليمية.
2- الوقوف الآن أمام مرحلة فارقة، تتأسس فيها تهديدات مباشرة على حدودها، بدعم كامل من قوى عسكرية لتحقيق أحلامها التوسعية.
3- إن أي تدخل مباشر من الدولة المصرية باتت تتوفر له الشرعية الدولية؛ سواء وفق حق الدفاع عن النفس بميثاق الأمم المتحدة، أو بناءً على السلطة الشرعية الوحيدة المنتخبة، ممثلة في مجلس النواب الليبي.
4- الخط الذي وصلت إليه القوات المتنازعة، سواء من جانب أبناء المنطقة الشرقية أو الغربية، يجب أن يتم التوقف عنده، والبدء في إجراءات وتفاوض للوصول لحل للأزمة.
5- لو تقدَّم الجيش إلى ليبيا فستكون القبائل الليبية على رأسه، وسيقوم الجيش المصري بتدريب شباب القبائل الليبية وتسليحهم.
ولعل المثير في الموضوع أن أردوغان، وهو يعيش أوهام العثمانية الجديدة نسي أو تناسى أن يقرأ تاريخ أسلافه، ليعرف كيف كانت وتكون المواجهة بين الجيش المصري والعثمانيين، وعندها سيخمن كيف ستؤول العواقب. والسلام..