كنت في نيوزلندا (1)

اتخاذ قرار تبديل الحياة ، شكلاً / ولوناً / ومضموناً ليس بالأمر البسيط ، أو ذلك الشيء الذي قد يتم التعامل معه تقنياً ،-  في هذا العصر أصبح فيه حتى اقتناء الأصحاب إليكترونيا ً –  ، فمجرد التفكير بمثل هذا الأمر ، يحلق بك الفكر بعيداً متعاطياً مع وسائل التغيير القادمة ،والتي قد تكون مجهولة ، و ربما قد تعصف بصاحب القرار إلى قمة الإبداع والنجاحات ، ضمن قائمة المبدعين ، أو تهوي به إلى أسفل قاع الفشل ، حيث يتربع الأغلبية العظمى من سكان الأرض ، ليس لأنهم ولدوا فاشلين ، وإنما لأنهم قد قرروا مسبقاً بأن يكونوا كذلك ..!

فقد قررت يوماً أن أحزم أمتعتي ، والتي لا تتعدى سوى عدداً من القطع ” القماشية ” الملبوسة ، و جهازي الحاسوبي المحمول ” صديقي الوفي دوماً “!، فلست بذلك المتزوج الذي يحتاج لناقلات العفش !! وقبل أن أحزمها ، فقد قررت أن اغترب ، وأن أضحي بعملي ، وبيئتي المحيطة ، وجدولي الأسبوعي ، و روتيني اليومي –  الغير ممل !! –  ، كل هذه القرارات بعد القرار الرئيسي –  ” ولكوني عربي فما أكثر القرارات !!” –  وهو السفر إلى الغرب ، والاندماج في مجتمعاتهم ، والانخراط التام ، حيث الدراسة / والثقافة / والخبرة ، مع شعوباً تختلف عنا لوناً / ولغةً / وديناً .. ربما أن الأمر قد يلمسه أولئك الغير متعايشين معه ، والذي تعودوا التنظير فقط من خلال زواياهم المملة مجرد رحلةٍ عابرة للتنزه ، متجاهلين ما يترتب عليها من معرفة ، وتاريخ قد تكون أنت بطله ، أو تغيير سيزج بك القدر نحوه .

ولأن أحلامي بسيطة ، فقد كنت أحلم دوماً بهذا القرار ، الذي سيشبع فضولي المُلحِ دائماً ، والذي يعتبر بنداً مهماً في قائمة أحلامي الغير منتهية ، والمتجددة باستمرار ، كل هذا الشغف ترتب نتيجة إقرافي لذنب القراءة دوماً عنهم ، وعن أمانتهم ، وصدقهم ، وابتساماتهم المتلازمة ، والتزامهم بالدقة والوقت –  اللذان اعشقهما –  ، كل هذه الصفات التي نفتقدها وللأسف !!، أو التي قد تكاد تكون محصورة أو محدودة ” حتى لا أكون ظالماً لأحد ” لدى عدداً قليلاً ، جعلتني تواقاً لهذه الرحلة ، أرنو دائماً لتفاصيلها التي لم أعايشها بعد ..

كسائر البشر ، فأنا أحاط بأنواعٍ ٍ من الأصدقاء ، منهم المتفائل والمتشائم ، المحفز والمثبط ، الجريء والخجول ، أحدهم يشجعني وآخر يقلل من معنوياتي ، ناهيك عن أولئك الذين يصورون لك المجتمع الغربي بالشياطين ، وكأنك في طريقك إلى الضياع ، مغمضين أعينهم عن علومهم / وإنجازاتهم / و قوتهم في كل شيء !

لم أكن لألتفت للنوع الأخير من الأصدقاء ، فاطلاعي / وشغفي / وثقافتي عنهم خير دافع للمضي في هذا الطريق .

تسارعت الأيام ، وجاء يوم السفر المحدد ، سرت إلى المطار ، حاملاً أمتعتي وأفكاراً لا ترضَ أن تفارقني ولو لثوان ، عن لحظات وداع نفسي الساكنة بين أحبابي في وطني ، وعن أرضاً تشهد كل تفاصيلي ، عن المحطات القادمة ، وعن كل ما أتوقع أن يحدث مستقبلاً ، وعن ما سوف لن يحصل !! عن الآمال وعن الآلام .. عن القادم ، عن كل شيء …

حلق بنا ذلك الطيار عالياً ، و الذي جعلني أرى وطني بنكهة خاصة ، لم أتذوقها من قبل ، رغم إدماني على السفر ، وعشقي للحظات الإقلاع ، نكهة الوداع ، وربما نكهة الحنين القادم قبل الفراق ، وقتها كان الرائع ” محمد عبده ” يصدح في أذنيّ من خلال جهاز ” الآي بود ” قائلاً : ( أشوفك ليلة وحدة ، وأسافر واترك الديرة ) .. ولكن الوقت لم يبق ليلة / ولا ساعة / و لا حتى ثواني !!

عندها أخرجت كتاباً كنت قد اصطحبته معي ضمن مجموعة ، أملاً مني باستثمار الأربعة والعشرين ساعة جواً ، طرداً للملل في ظل عدم ملائمتي للنوم على متن الطائرات ، أبحرت بين حروفه متفائلاً بمستقبلٍ مشرقٍ ..

و سيكتبني المقال القادم من محطة وصولي ، وكيف كان الإبحار في أول أيامي هناك .. إلى اللقاء .

اترك تعليقك على المقال تعليق واحد

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام