اتخاذ قرار تبديل الحياة ، شكلاً / ولوناً / ومضموناً ليس بالأمر البسيط ، أو ذلك الشيء الذي قد يتم التعامل معه تقنياً ،- في هذا العصر أصبح فيه حتى اقتناء الأصحاب إليكترونيا ً – ، فمجرد التفكير بمثل هذا الأمر ، يحلق بك الفكر بعيداً متعاطياً مع وسائل التغيير القادمة ،والتي قد تكون مجهولة ، و ربما قد تعصف بصاحب القرار إلى قمة الإبداع والنجاحات ، ضمن قائمة المبدعين ، أو تهوي به إلى أسفل قاع الفشل ، حيث يتربع الأغلبية العظمى من سكان الأرض ، ليس لأنهم ولدوا فاشلين ، وإنما لأنهم قد قرروا مسبقاً بأن يكونوا كذلك ..!
فقد قررت يوماً أن أحزم أمتعتي ، والتي لا تتعدى سوى عدداً من القطع ” القماشية ” الملبوسة ، و جهازي الحاسوبي المحمول ” صديقي الوفي دوماً “!، فلست بذلك المتزوج الذي يحتاج لناقلات العفش !! وقبل أن أحزمها ، فقد قررت أن اغترب ، وأن أضحي بعملي ، وبيئتي المحيطة ، وجدولي الأسبوعي ، و روتيني اليومي – الغير ممل !! – ، كل هذه القرارات بعد القرار الرئيسي – ” ولكوني عربي فما أكثر القرارات !!” – وهو السفر إلى الغرب ، والاندماج في مجتمعاتهم ، والانخراط التام ، حيث الدراسة / والثقافة / والخبرة ، مع شعوباً تختلف عنا لوناً / ولغةً / وديناً .. ربما أن الأمر قد يلمسه أولئك الغير متعايشين معه ، والذي تعودوا التنظير فقط من خلال زواياهم المملة مجرد رحلةٍ عابرة للتنزه ، متجاهلين ما يترتب عليها من معرفة ، وتاريخ قد تكون أنت بطله ، أو تغيير سيزج بك القدر نحوه .
ولأن أحلامي بسيطة ، فقد كنت أحلم دوماً بهذا القرار ، الذي سيشبع فضولي المُلحِ دائماً ، والذي يعتبر بنداً مهماً في قائمة أحلامي الغير منتهية ، والمتجددة باستمرار ، كل هذا الشغف ترتب نتيجة إقرافي لذنب القراءة دوماً عنهم ، وعن أمانتهم ، وصدقهم ، وابتساماتهم المتلازمة ، والتزامهم بالدقة والوقت – اللذان اعشقهما – ، كل هذه الصفات التي نفتقدها وللأسف !!، أو التي قد تكاد تكون محصورة أو محدودة ” حتى لا أكون ظالماً لأحد ” لدى عدداً قليلاً ، جعلتني تواقاً لهذه الرحلة ، أرنو دائماً لتفاصيلها التي لم أعايشها بعد ..
كسائر البشر ، فأنا أحاط بأنواعٍ ٍ من الأصدقاء ، منهم المتفائل والمتشائم ، المحفز والمثبط ، الجريء والخجول ، أحدهم يشجعني وآخر يقلل من معنوياتي ، ناهيك عن أولئك الذين يصورون لك المجتمع الغربي بالشياطين ، وكأنك في طريقك إلى الضياع ، مغمضين أعينهم عن علومهم / وإنجازاتهم / و قوتهم في كل شيء !
لم أكن لألتفت للنوع الأخير من الأصدقاء ، فاطلاعي / وشغفي / وثقافتي عنهم خير دافع للمضي في هذا الطريق .
تسارعت الأيام ، وجاء يوم السفر المحدد ، سرت إلى المطار ، حاملاً أمتعتي وأفكاراً لا ترضَ أن تفارقني ولو لثوان ، عن لحظات وداع نفسي الساكنة بين أحبابي في وطني ، وعن أرضاً تشهد كل تفاصيلي ، عن المحطات القادمة ، وعن كل ما أتوقع أن يحدث مستقبلاً ، وعن ما سوف لن يحصل !! عن الآمال وعن الآلام .. عن القادم ، عن كل شيء …
حلق بنا ذلك الطيار عالياً ، و الذي جعلني أرى وطني بنكهة خاصة ، لم أتذوقها من قبل ، رغم إدماني على السفر ، وعشقي للحظات الإقلاع ، نكهة الوداع ، وربما نكهة الحنين القادم قبل الفراق ، وقتها كان الرائع ” محمد عبده ” يصدح في أذنيّ من خلال جهاز ” الآي بود ” قائلاً : ( أشوفك ليلة وحدة ، وأسافر واترك الديرة ) .. ولكن الوقت لم يبق ليلة / ولا ساعة / و لا حتى ثواني !!
عندها أخرجت كتاباً كنت قد اصطحبته معي ضمن مجموعة ، أملاً مني باستثمار الأربعة والعشرين ساعة جواً ، طرداً للملل في ظل عدم ملائمتي للنوم على متن الطائرات ، أبحرت بين حروفه متفائلاً بمستقبلٍ مشرقٍ ..
و سيكتبني المقال القادم من محطة وصولي ، وكيف كان الإبحار في أول أيامي هناك .. إلى اللقاء .
التعليقات اترك تعليقك على المقال تعليق واحد
ممتع ممتع جدا جدا
وبانتظار مقال محطه الوصول
موفق دائما
وشكرا بقدر ما احس به من متعه