كنت في نيوزلندا (3)

ذكرت في مقالي السابق لحظاتي الأول في ” نيوزلندا ” ، وما صاحبها من متعة وتشويشات في الوقت ذاته ، مبحراً في أيامي الاستكشافية الأولى مروراً بيومي الدراسي الأول ، وانتهاءً بقصة ذلك البنك الكريم .. قبل أن اختم بـ( حيرتي ) في إيجاد العائلة المناسبة للسكن ..!

ونظراً لأنني كنت دقيقاً في المسائل تجاه السكن مع عائلة لأول مرة ، أدى ذلك لطول مدة البحث ، حيث اضطررت للعيش وحيداً في شقة لمدة شهر كامل ، حتى تسنى لي الانتقال إلى العائلة الأولى .. فمثل هذا القرار يحتاج تروياً في الاختيار ، ودراية تامة بطبيعة الشعب ، لأن الانخراط في العيش ضمن بيتٍ خشبيٍ صغيرٍ يتطلب الوقوف على أدق التفاصيل ، تحاشياً للإحراج والغلط ..

انتقلت يوم الأحد صباحاً إلى عائلتي الجديدة ، والممتزجة بثقافة الجنسيات المتنوعة ، حيث الأب الأسباني ، و زوجته البريطانية ، بجانب أبنائه النيوزلنديين الثلاث ، لأجد ابتساماتهم تستقبلني في لحظة الوصول ، منتظرين ذلك المسلم الأول الذي يشاركهم حياتهم ، مرحبين أيما ترحيب .

لم يتردد أب الأسرة ( ميقيل ) في حمل أمتعتي ، مساعداً في مد العون لي ، وسائراً أمامي نحو غرفتي الجديدة ، وبسرعة .. تم ترتيب الأشياء سريعة ، ثم جاء ( ميقيل ) مسرعاً بخارطته ، مساهماً في تحديد الاتجاهات ، عوناً منه لإيجاد القبلة للصلاة ،لم يبالي باختلاف دياناتنا ، كل ما فعله أن احترمني ، وديني ، ولم يتردد في المساعدة ..

كانت الأيام سريعة / ورائعة / وشقية في الوقت نفسه ، فوجود التوأم ( توم و ليام ) أضاف للمكان إزعاجاً ” مميزاً” لنقائه الطفولي ، وطهارته .

لم تطل مدة المكوث معهم طويلاً ، فقد أخبروني سابقاً أنهم بصدد رحلة أسبانية بعد شهرين ، لذا مرت الأيام خاطفة ، فكان لابد من الرحيل ، حتى وإن كان معاكساً للرغبة ، فالمعروف جيداً ، أن اللحظات الجميلة غالباً ما تكون محدودة .

أتذكر جيداً عندما غادرت العائلة باكراً ، وكنت آنذاك في فراشي ، لأجد بعدها ، وعند باب غرفتي رسالة وداعٍ ، ما يميزها هو توقيع التوأم لي ( Good bye Amjad ) بخطهما مع توقيع اسمها بالأسفل ..

في هذه المرة ، لن تكون الخيارات كثيرة ، ولا الوقت وفيراً ، للتفكير والتفكر ، قبل الانتقال ، فالتعود على العيش والتعايش ضمن إطار عائلي ، يصعّب فكرة العودة ثانيةً إلى السكن وحيداً ، ضمن شقة صغيرة قد تكون موحشة مملة ، كما أن الخبرة المكتسبة خلال العيش معهم ، كفيلة باختصار الكثير من النقاط المهمة قبل العيش ضمن بيئة عائلية جديدة ..

انتقلت ثانية ، للعيش مع عائلة جديدة ، مختصرة العدد ، والتي تتكون من ( شين ) و زوجته ( سـو) ، بالإضافة إلى طالبين سعوديين ، لم أحبذ فكرة وجود عرب ، لكن الخيارات باتت محدودة ، والأمر أصبح ملحاً ، ولو لفترة محدودة ، شاركتهم العيش ، بعد أن اتفقنا نحن السعوديين الثلاثة على الحديث بلغتهم طيلة تواجدنا داخل المنزل ، رغبةً منا بالتعلم ، واحتراماً لهم ، واستبعاداً لفهمنا بشكل مغلوط في الوقت ذاته ..

( شين ) صاحب القلب الكبير ، والجسم الكبير معاً ، اضطر –  كما يبدو لي –  للارتباط بـ ( سو ) تحسينا لدخله ، فعملها كمسوقة في إحدى الشركات ، ومزايا راتبها إضافة للمركبة التي منحتها الشركة ، قد تسهم في مشاركة مصاريف الحياة ، فأجره الذي يتقاضاه قليل ، حيث عمله الشاق كسائق شاحنة لا يترك له مجالاً في أن يجد وقتاً لإيجاد عملاً إضافيا لتحسين دخله ..!

الجميل في هذه الفترة ، التي لم تصل إلى شهرين ، هو معرفة ( شين ) ، ذلك السائق البسيط ، المغرم بالدراجات النارية ، قيادةً ومتابعة ، والطاهي المميز ، وصاحب الطباع الشرقية ، فهو أشبه بصاحب ( فزعه ) ، غير مكترثاً ، بطباعه الغربية ، مشعرنا بصداقة حميمة ..

والمميز في الأمر ، هو وجود صاحبي ” فهد ” ، بعوده الملازم ، و ألحانه الدائمة ، و روحه الشقية المجادلة ، كما أن لشبيه اسمي ” أمجد ” روحه المرحة ، و( قيتاره) المصاحب ، و أناقته الحاضرة ، فكان لوجودهما الكثير المضاف لخبرتي –  المتواضعة – والإثراء المتجدد ..

مقالي القادم ، سيبحر في عالمي خلال ما يقارب التسعة أشهر ، بقرب تلك العجوز الرائعة ، وما رافق هذه الفترة من أحداث .. إلى اللقاء .

اترك تعليقك على المقال 3 تعليقات

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام