ذكرت في مقالي السابق لحظاتي الأول في ” نيوزلندا ” ، وما صاحبها من متعة وتشويشات في الوقت ذاته ، مبحراً في أيامي الاستكشافية الأولى مروراً بيومي الدراسي الأول ، وانتهاءً بقصة ذلك البنك الكريم .. قبل أن اختم بـ( حيرتي ) في إيجاد العائلة المناسبة للسكن ..!
ونظراً لأنني كنت دقيقاً في المسائل تجاه السكن مع عائلة لأول مرة ، أدى ذلك لطول مدة البحث ، حيث اضطررت للعيش وحيداً في شقة لمدة شهر كامل ، حتى تسنى لي الانتقال إلى العائلة الأولى .. فمثل هذا القرار يحتاج تروياً في الاختيار ، ودراية تامة بطبيعة الشعب ، لأن الانخراط في العيش ضمن بيتٍ خشبيٍ صغيرٍ يتطلب الوقوف على أدق التفاصيل ، تحاشياً للإحراج والغلط ..
انتقلت يوم الأحد صباحاً إلى عائلتي الجديدة ، والممتزجة بثقافة الجنسيات المتنوعة ، حيث الأب الأسباني ، و زوجته البريطانية ، بجانب أبنائه النيوزلنديين الثلاث ، لأجد ابتساماتهم تستقبلني في لحظة الوصول ، منتظرين ذلك المسلم الأول الذي يشاركهم حياتهم ، مرحبين أيما ترحيب .
لم يتردد أب الأسرة ( ميقيل ) في حمل أمتعتي ، مساعداً في مد العون لي ، وسائراً أمامي نحو غرفتي الجديدة ، وبسرعة .. تم ترتيب الأشياء سريعة ، ثم جاء ( ميقيل ) مسرعاً بخارطته ، مساهماً في تحديد الاتجاهات ، عوناً منه لإيجاد القبلة للصلاة ،لم يبالي باختلاف دياناتنا ، كل ما فعله أن احترمني ، وديني ، ولم يتردد في المساعدة ..
كانت الأيام سريعة / ورائعة / وشقية في الوقت نفسه ، فوجود التوأم ( توم و ليام ) أضاف للمكان إزعاجاً ” مميزاً” لنقائه الطفولي ، وطهارته .
لم تطل مدة المكوث معهم طويلاً ، فقد أخبروني سابقاً أنهم بصدد رحلة أسبانية بعد شهرين ، لذا مرت الأيام خاطفة ، فكان لابد من الرحيل ، حتى وإن كان معاكساً للرغبة ، فالمعروف جيداً ، أن اللحظات الجميلة غالباً ما تكون محدودة .
أتذكر جيداً عندما غادرت العائلة باكراً ، وكنت آنذاك في فراشي ، لأجد بعدها ، وعند باب غرفتي رسالة وداعٍ ، ما يميزها هو توقيع التوأم لي ( Good bye Amjad ) بخطهما مع توقيع اسمها بالأسفل ..
في هذه المرة ، لن تكون الخيارات كثيرة ، ولا الوقت وفيراً ، للتفكير والتفكر ، قبل الانتقال ، فالتعود على العيش والتعايش ضمن إطار عائلي ، يصعّب فكرة العودة ثانيةً إلى السكن وحيداً ، ضمن شقة صغيرة قد تكون موحشة مملة ، كما أن الخبرة المكتسبة خلال العيش معهم ، كفيلة باختصار الكثير من النقاط المهمة قبل العيش ضمن بيئة عائلية جديدة ..
انتقلت ثانية ، للعيش مع عائلة جديدة ، مختصرة العدد ، والتي تتكون من ( شين ) و زوجته ( سـو) ، بالإضافة إلى طالبين سعوديين ، لم أحبذ فكرة وجود عرب ، لكن الخيارات باتت محدودة ، والأمر أصبح ملحاً ، ولو لفترة محدودة ، شاركتهم العيش ، بعد أن اتفقنا نحن السعوديين الثلاثة على الحديث بلغتهم طيلة تواجدنا داخل المنزل ، رغبةً منا بالتعلم ، واحتراماً لهم ، واستبعاداً لفهمنا بشكل مغلوط في الوقت ذاته ..
( شين ) صاحب القلب الكبير ، والجسم الكبير معاً ، اضطر – كما يبدو لي – للارتباط بـ ( سو ) تحسينا لدخله ، فعملها كمسوقة في إحدى الشركات ، ومزايا راتبها إضافة للمركبة التي منحتها الشركة ، قد تسهم في مشاركة مصاريف الحياة ، فأجره الذي يتقاضاه قليل ، حيث عمله الشاق كسائق شاحنة لا يترك له مجالاً في أن يجد وقتاً لإيجاد عملاً إضافيا لتحسين دخله ..!
الجميل في هذه الفترة ، التي لم تصل إلى شهرين ، هو معرفة ( شين ) ، ذلك السائق البسيط ، المغرم بالدراجات النارية ، قيادةً ومتابعة ، والطاهي المميز ، وصاحب الطباع الشرقية ، فهو أشبه بصاحب ( فزعه ) ، غير مكترثاً ، بطباعه الغربية ، مشعرنا بصداقة حميمة ..
والمميز في الأمر ، هو وجود صاحبي ” فهد ” ، بعوده الملازم ، و ألحانه الدائمة ، و روحه الشقية المجادلة ، كما أن لشبيه اسمي ” أمجد ” روحه المرحة ، و( قيتاره) المصاحب ، و أناقته الحاضرة ، فكان لوجودهما الكثير المضاف لخبرتي – المتواضعة – والإثراء المتجدد ..
مقالي القادم ، سيبحر في عالمي خلال ما يقارب التسعة أشهر ، بقرب تلك العجوز الرائعة ، وما رافق هذه الفترة من أحداث .. إلى اللقاء .
التعليقات اترك تعليقك على المقال 3 تعليقات
I’m waiting for the next article in order to live your story there.
🙂
أمتاع بمعنى الكلمة
يدوم قلمك النابض …