كنت قد تطرقت في مقالتي الأولى المعنونة بمثل هذا العنوان إلى أهم الأسس التي يجب أن يقف عليها الصحفي الناجح برأي (ديفيد) بحسب كتابه “الصحفي العالمي”، ورغم أنني مررت على حروفه على عجل – التي تحتوي على الكم الكبير من الفائدة لأي ممتهن للصحافة – ؛ عدت للوقوف ثانية على كلماته ونقل بعضها لأهميتها، وكما ذكرت آنفاً، لن أجلب المزيد من كلماتي، لكني سأستحضر بعضاً مما كتب..
ولأننا نعايش هذه الفترة طفرة صحفية إليكترونية مصحوبة بسؤال ملح دائماً فيما إذا كان بإمكانها أن تلغي الورقية أم لا؟؛ ولأنه كثر الجدل حوليهما وحول مستقبليهما، كان هذا السؤال دافعاً لي للوقوف على أحد أبواب كتابه والذي أسماه (الصحافة على الشبكة العنكبوتية) في الوقت الذي يشغل به منصب كبير محرري الأخبار في صحيفة “الإندبندنت”!، حيث يستهل هذا الباب بقوله: “من المؤكد أن الصحافي يقارب العمل على الشبكة الإلكترونية ظاناً أن مهاراته الراهنة يمكن تحويلها مباشرة، وأن بمقدوره ترك المتطلبات الضرورية الأخرى بكل سرور إلى “هؤلاء الزملاء التقنيين” محكوم عليه بالفناء، ولن يحتاجه أحد في المستقبل، تماماً كممثل السينما الصامتة ذي الصوت الأجش عام 1929 (عند اختراع السينما الناطقة)”. عبارته هذه لا تحتاج تفسيراً أكثر، فلعلي لا أجد حروفاً تسعفني للتعليق غير أن أقول بأنه لخص الأمر في مثال أكثر محاكاة لما يحدث هذه الأيام.. ورغم ذلك، فلا يمكن التنبؤ لمستقبليهما ؟!!
ولامس (ديفيد) نقطة مهمة يقف عندها الكثير، حيث يتساءل في نفس الباب: “ما الذي يمكن للإنترنت أن تفعله وتعجز الطباعة (على الورق) عنه؟”، ولا يترك لك مجالاً واسعاً للتفكير، حيث يقول: “للشبكة الإلكترونية مثالبها، لكنها توفر: سعة لا محدودة تقريباً، وعملية تحديث وتطوير متواصلة (وفورية تقريباً)، والصور المتحركة، والصوت، والقدرة على قياس وتقدير الآراء بالصفحة وعدد زوارها بدقة، والتفاعل معها، أما البراعة في تخطيط موقع إخباري جيد على الويب فهي محاولة استغلال هذه المزايا”.
لكنه وبعد أن زين “الإلكترونية” في نظر قراءه، جاء ليقول لهم بلسان عربي (الزين ما يكمل حلاه)، حيث يرى أن هذا قد يسهم في تراجع بعضاً من أنواع الكتابة، حيث يقول: ” إن السعي وراء هذه السبل والقنوات يبعدنا عن صحافة القصص الإخبارية/ المقالات التقليدية، ويقربنا إلى مجالات معلومات الخدمات، واستضافة لوحات الأخبار”. عبارته هذه قد تقول بشكل غير مباشر بأن كليهما سيستمران بالتميز في خطين متوازيين، وإن لكليهما نهجه في الكتابة والظهور ..
بيد أن (ديفيد) لم يمهلنا كثيراً للتفكير، ليفاجئنا بفقرة تفيد في كيفية التعامل مع القصص الإخبارية على الإنترنت، فيضيف قائلاً: ” لم يعد طول القصص الفردية ولا عدد الصفحات محددين على مواقع الويب، وهذه أهم المميزات التي تخفف من عبء القيود على الكاتب، وليس ثمة فارق بالتكلفة بين طبع خمسمائة كلمة وخمسين، ولا فرق بين نشر عشر صفحات أو واحدة، حالما يترسخ الأسلوب الأساسي للموقع”.
يبدو أنه بات متحمساً للتقنية، لكنه لازال يعايش ويتذكر أياما ممتعة قضاها بين أحبار الورقية، فلا أعلم هل هو حائراً بينهما أم أنا الحائر .. ككثير غيري ..!
قبل المغادرة:
“الأدب هو فن كتابة شيء سوف يقرأ مرتين، والصحافة هي فن كتابة شيء لن يقرأ سوى مرة واحدة” (سيريل كونوللي).
التعليقات اترك تعليقك على المقال تعليق واحد
مقالة جميلة ……..