مررت سريعاً في مقالي السابق على محطاتي الأولية في المساكن العائلية، وطبيعة الأيام ، ولمحة خاطفة للشخصيات المصاحبة للأحداث، حيث لم أتوقف كثيراً لتواضع الأحداث، ولقلة المدة ..
أقلتني (كارولاين) بمركبتها السوداء الصغيرة، بعد سيل من قطرات الوداع أغرقتني من قبل عائلتي الأخيرة، وزميلاي اللذان أصبحا صديقان فيما بعد، لم يكن المنزل بعيداً، لنصل في غضون دقائق ويبدأ السيناريو المعتاد من ترتيب للغرفة وتعريف بتفاصيل المنزل وملحقاته ..
الممتع في هذه المرة، أن المنزل يتربع على مقربة من البحر “الذي أعشقه”، ويطل بشكل فتان عليه، من خلال شرفة ترسم ملامح الشروق والغروب بريشة سحرية ذات ألوان تمزج من روح التناغم، بعيداً عن كل منغصات الحياة.
وعودة إلى (كارولاين) تلك العجوز النيوزلندية، وطليقة ذلك الدبلوماسي الآسيوي”المسلم” والذي قد كرس لديها خلفية مشوهة – بحسب قولها – عن الإسلام، حيث تقول بأنه يمارس ما يريد وقت ما يريد، وحول ما يريد، بينما يمتنع عن ما تريد وقت ما لا يريد متحججاً بأن الإسلام لا يسمح ! ولا يشرع ! لذلك فقد صعّب هذا السياسي مهمتي في التعايش مع هذه المرأة، حيث الثقة المهزوزة والتجربة الحصرية السيئة، التي صنعت فجوة لا بد من العمل على تصحيحها..
تمازحني دوما بقولها “أنتم منبع الإرهاب”، ولا ملامة في ذلك، فهي مسنة لم تزر الشرق الأوسط يوماً، ولم تعرفه عن قرب، بل ولم تخالط العرب إطلاقاً، ولم تعرفنا إلا من خلال الإعلام !! وهذا ما أثقل مهمتي في تغيير هذه الصورة جذرياً .. لذا فضلت لغة التعامل و أرجأت لغة الحوار أملاً مني في تسهيل المهمة وتقبل النقيض !
لم تكن تحرص على الدخل المادي في المرتبة الأولى – رغم شغف الغرب به – لكنها كانت تبحث عن حياة آمنة تشعرها بالترابط الأسري بعد أن ذهب ولديها في حال سبيلهما، برفقة زوجاتهما، واللذان قد عوداها بالزيارة في المناسبات الرسمية، بيد أن أحدهما لم يزرها لسنتين !!وأتذكر جيداً عندما قالت لي يوماً :” أنت ابني الثالث”..، لم تنتظر عطفاً مني بهذه الكلمات.. أو مالاً نظير هذا الاهتمام، كل ما تبحث عنه هو شعور الأم الحقيقي، بالاهتمام.. والخوف .. وغيره!
استيقظت ذات صباح، اتجهت للدور العلوي، بحثاً عن قهوتي الصباحية، قبل أن تحضر الحافلة في موعدها، حيث اعتدت تقصد الحافلة الباكرة، أملاً في الوصول باكرا” للاستذكار.. وجدتها في المطبخ – على غير العادة – فمثل هذا الوقت يتوجب وجودها في فراشها حتى الضحى، فلا عمل ولا أطفال ..! وكانت قد أعدت إفطاراً لكلينا فاضطررت على مجاملتها ومشاركتها – على عكس طبيعتي – ثم وجهت لها سؤالي بتعجبي من استيقاظها !! قالت أنها لم تنم حيث سهرت الليل تفكر بطليقها الذي فارقها منذ خمس سنين .. فأي حب تكنه له!
كنت أعود في آخر النهار منهكاً من يومي، أقضي معها بعض الوقت قبل أن نتناول العشاء، نحدث بعضنا عن تفاصيل اليوم، وما صاحبه من أحداث، حلوة كانت أم مرة، ثم نتناول العشاء وتخلد إلى فراشها لأشتغل بواجباتي أو حاسوبي .. وتفاجئني أحياناً بقدح من الشاي مصطحباً بقطعة بسكويت وابتسامتها حال انخراطي بالكتابة ، كما تحرص دوما أن تجهز وجبة عشائي قبل أن تنم، في حال إخباري لها بتأخري خارجاً. ولا تكف عن وضع قصاصة في أغلب الأيام تختارها من الصحف عن خبر يختص بالإسلام أو أيا من دول الشرق الأوسط، فهي تعلم شغفي بالصحافة بل وأنها تجده فرصة لفتح باب للمناقشة والحديث حول الخبر محاولة استفزازي بتهم مرحة ،مقابلةً مني بهدوء وابتسامة وحوار…
ولنقاوتها، عشرات المرات تطلب مني الرجوع لبلدي والزواج، والعودة للعيش بأسرتي معها، محاولة إقناعي بتوليها مهام رعاية الأطفال حال انشغالي وزوجتي بالدراسة، وأنها ستكون جدةً حريصة عليهم.. فقد تعودت وجودي معها لما يربو عن التسعة شهور، وتكيفنا معاً أدى لدفعها لإغرائي بهذا العرض، علني أمكث أطول مدة ممكنة بقربها، حتى لا تفقد هذا الشعور الأسري ..
والمؤلم في الأمر أنها أوصتني يوماً، بأن لا أسمح لطليقها للسير في جنازتها، أو إحضار الورود، طالبة مني إبلاغ الشرطة في حال مشاهدة لي، قائلة لي بأنها لم تثق بأبنائها بهذا الطلب، وتود مني أن أقوم بهذه المهمة !! مؤكدة بأنها سترقص فرحاً في جنازته، في حين سبقها إلى الموت .. أي جرح طعنها يوما !!
المزيد من الحروف والأحداث، جراء وجودي مع تلك العجوز الرائعة، ومزيداً من التفصيلات حول قضائي رمضان بقربها في مقالي القادم .. إلى اللقاء .
التعليقات اترك تعليقك على المقال 3 تعليقات
رائع أمجد متابعة بشغف
I really like her character. She really deserve to be respected by a Muslim person like your majesty. It’s also nice to mention that phenomenon when someone mingles with a different society,community or religion, and then leave abad reputation about our society first as MUSLIMS then as ARAB. I do hate such people who defame our Islamic identity. However, she meets agreeable person like you Amjad, to clarify that conception.
Waiting for the second episode with our hero & heroine
تجده فرصة لفتح باب للمناقشة والحديث حول الخبر محاولة استفزازي بتهم مرحة>>>اقتباس
الان عرفت مصدر الصفة عندك من مين
تحياتي