كنت في نيوزلندا (5)

بعضاً من مواقف حياتي بقرب تلك العجوز النيوزلندية أوردتها في مقالتي السابقة، وتطرقت لأهم المواقف المذهلة الدالة على وفائها وحبها لطليقها، الذي بات بعيداً غير مبالٍ، وغيره من الأحداث..

على الرغم من عدم صيام طليقها لرمضان في سنواته الأخيرة –  بحسبها –  إلا أنها لا زالت تحتفظ بذاكرتها حول هذه الشعيرة، من خلال سنوات زواجهما الأولى، مقدمة كل احترام لهذه الشعيرة .. هل تصدقوني أن قلت لكم بأنها كانت تعد لي ” السمبوسة” و “الشربة” و “ورق العنب” بل وتضع لي سحوراً حتى ألجأ له قبل النوم ! كما تحرص على سؤالي باستمرار عن موعد الإفطار تزامنا مع تأخير الوقت وتبديل ساعة الشتاء حرصاً منها على تجهيز إفطاري في الوقت المحدد ..

وضعت علبة من الشوكولاته، عند باب غرفتي، يعلوها كرتاً كتب عليه ( EID MUBARAK) في أول أيام عيد الفطر صباحاً، فكم تقدم كل احترام لديني، غير ملتفتة لقناعاتها التي هي عكس ما اقتنع به وأمارس، ورغم ذلك لم تكف عن قول أنتم الإرهابيين عندما تحاول ممازحتي مضيفة جوا من المرح الهرم ..

والملفت بالأمر أنه يطربها الفن الموسيقي المصري الأصيل، وليس فن “أركب الحنطور” !! حيث يملأ زوايا المنزل كل صباح أحد، بعد أن تتأكد من استيقاظي، معلنة بيئة منزلية شرقية، معينة في قتل إرهاق الغربة عني، مداعبة” بقولها استطيع تقليد رقص الشرقيات ..

كما أنها لم تكف عن توبيخي وزجري حال مشاهدتي عائداً للمنزل مستقلاً سيارة أجرة، أو خارجاً منتظراً سيارة أجرة قد طلبتها مهاتفةً حال عجلة مشواري، فهي تعلم مدى غلاء تكلفة المشاوير مقارنة بحافلات النقل العام ومضيفة بأنها على أتم الاستعداد في إيصالي إلى حيث أشاء .. أي حرص تكنه لي !

قالت يوماً، بعد أن رأت مني حماساً تجاه بعض القضايا، أنت الآن تعيش مرحلة الشباب، متحمساً مندفعاً نحو تحقيق أهدافك بأي ثمن، غير مبالٍ بأي خسارات متجاوزاً كل ما يعيق .. فقط لأنك شاب ! ستكبر وتنضج وترى الأمور من زوايا أخرى، قد تنكر على نفسك يوماً، وقد تتراجع، وقد لا تستطيع.. زوجي اختارني برغبته، غير مبالٍ بنصائح والدته، ولا أسرته .. تزوجني بقناعاته الشبابية، وطلقني بقناعاته الهرمة، فحاول أن تهرم قبل أن تشب …كم تحتاج كلماتها لوقوف ؟!

زارني أحد أقربائي، ليمكث معي لعدة أسابيع، مما صادف دخول عرفة، والذي أتاح لها سؤالنا هل ستصومون غدا ؟ قبل إجابتي، غرقت في بحر غير منتهي من الأسئلة حول اهتمامها وحرصها و و و.. أجبناها بنعم . لأجد غداً سفرة إفطار رمضان المعهودة بيد أنها عجلت في هدية العيد، لتضعها وسط السفرة مصطحبة بكرت تهنئة لكلانا !!

والملفت بالأمر، أنه يستثيرها دوماً الحديث عن طريقة الزواج لدينا، وتسألني كثيراً حول قضايا المرأة، نذهب في حديث طويل حول قضايا شرقية عدة، لتقاطعني وقد استرسلت في شرح غير منتهي بأنه لا بد عليك من النوم فلديك دراسة غداً، لكنها تعاود مجدداً فتح ما توقفنا عنده، فشغفها حول قضايا الشرق هو دافعها.. لذلك ولغيره، تطلبني أحياناً بأن أقوم بترجمة ما أكتب من مقالات، وتقارير صحفية، بل أنها تستعين بالترجمات الإلكترونية حال انشغالي مفاجئتي بالمناقشة حول موضوع كتابتي ..

كنت قد تعودت على متابعة أحداثٍ لمسلسل “نيوزلندي” شيق، حيث اكتساب اللهجة، والثقافة، بل وحتى الوقوف على أبرز قضايا المجتمع ” النيوزلندي” من خلاله، لذا حرصت على العودة قبل العرض أملاً في عدم ضياع الحلقة ! لكن مواعيد الاستذكار بالمكتبة وارتباطي ببعض الأمور الأخرى أسهمت في تأخيري بالعودة المنزلية، مما يؤكد عدم التمكن من مشاهدة هذا المسلسل ..فاجأتني يوما بينما كنا نتناول وجبة العشاء بأنها قامت بتسجيل حلقة اليوم، وستواصل التسجيل لأي يوم مفقود، وقتها .. عجزت في شكرها، لكني عدت في الغد بهدية لها معربا عن شكري ..

( تعودت أن لا أثق بالرجال، مهما قالوا، ومهما فعلوا، ومهما حبوا .. حتى وأن قالوا لن نفارق .. بل تعودت أن لا أثق بأي أحد !!) كلمات قالتها لي يوماً، قالت أعمل على أن تسير عليها، فلو لم تقتنع الآن.. ستقتنع يوماً!

مزيدا من المواقف المميزة، والرائعة، مع (كارولاين) .. ولحظات الوداع، وقصة صورتي في مقالي القادم .. إلى اللقاء.

 

اترك تعليقك على المقال 3 تعليقات

اترك تعليقاً على المقال

قم بمشاركة رأيك معنا. يرجى العلم أن التعليقات خاضعة لإشراف الإدارة لذلك الرجاء عدم إستخدام التعليقات كمصدر للإعلانات الدعائية وللكلام الخارج وإلا سيتم حذف ردك مباشرة.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جميع الحقوق محفوظة لـ : أمجد المنيف - مسجلة لدي وزراة الثقافة والأعلام