ها هو الضيف يطل مجددًا، بذكرياته/ ولياليه/ ورونقه المميز، ها هو رمضان يشرق ثانية؛ ليمنحنا روحانيته و تفاصيله، فالكثير بلا شك يحمل العديد من المواقف.. يسترجعها بحضوره، ويرنو لاسترجاعها واقعياً.. أقول ذلك، وأنا أعلم أن ما يقارب المائة ألف من أبناء وبنات الوطن يستقبلون ضيفهم خارج الحدود.. ينتظرونه بشتى ظروفه، بكل أفراحه وآلامه، بكل تحدياته وتنوعها.. فالجميع يحيطون بهم ويسيرون في عكس عالمهم، فهم المتفردون بالامتناع عن الأكل، وليس الأمر مقتصراً على ذلك .. بل المنع عن أشياء هي حق لهم في غير هذا الشهر .. وترافق هذه المعاناة دراسة يومية بكل ما تحمل من مشاق وجهد وظروف مصاحبة !
يزورني هذا الضيف ليشتل من ذاكرتي ليالي قضيتها خلاله في خارج الحدود، فالشعور الملازم كفيل بالبقاء مدة طويلة رغم تواضع التجربة، فالتعايش ضمن عالمين مزدوجين قادر على منح الكثير من الشعور المجهد، حيث أن حمل عالم مسلم ودمجه في عالم غير ذلك يستلزم التعاطي مع كلا العالمين، من حيث المحافظة مع الأصل والتعايش مع المحيط، وثقافة الدمج خير ضامن لتوليد نتاج مستقل متطور محافظ على الأصل ..
ربما أن مواقف تلك المُسنَّة التي قد تعايشت معها هي الأكثر حضوراً لمخيلتي، فاهتمامها ورعايتها ومد يدها لي لتجاوز تلك الليالي قد منح الكثير من التلاؤم، فهي الخبيرة بتفاصيل الإسلام من خلال معايشتها لطليقها المسلم، والذي كان يسيء لمبادئ الإسلام – بحسبها – ، تهتم كثيرا بمواقيت آذان المغرب، وتكترث أكثر في إعداد وجبتي الإفطار و”السحور” لي .. كما لم تنسَ أن تحضر هدية العيد لي .. فهذه الخصال ، نقاط في بحر ذكرى .. تنتثر في مخيلتي!!
ومن زاوية (محلية /عالمية) فلأصحاب الغربة نصيبهم الجم من هذه التفاصيل، فالعمل سويا على محاولة صنع بيئة “محلية” من خلال البقاء في بيئة “دولية” لهي قمة التحدي والتي لم تكد تتلاشى لولا الاتحاد معاً، أصحاب منحتهم لي الغربة دون مقابل/ ولا موعد/ ولا حتى شروط، قد يكون توحيد الظروف كفيل بمنح التناغم، لكن الليالي اللاحقة منحت الدلائل في تفنيد هذا الرأي..
وعودة إلى القابعين في ثغور العلم، في مختلف الدول، والذين يعايشون ذكرى جديدة بتفاصيل جديدة، بعيدًا عن أهاليهم وذويهم، وأحبابهم ! والذي أعلم أن عزائهم في ذلك هو ملاحقة أهدافهم، والتي من خلال التفكر بها والتفكير قد يواجه المرء كل عسير .. فلا املك لهم إلا كل تقدير لشجاعتهم وتفوقهم على ذاتهم وعلى كل ما يحيط من تحديات ..
قبل المغادرة :
روح التحدي تكمن في الانتصار على الذات أولاً ..
التعليقات اترك تعليقك على المقال تعليق واحد
مميز