المبحر – عن كثب – لتاريخ المرأة العربية بشكل عام و السعودية على وجه التحديد؛ يلحظ مدى الانعطافات الهامة التي عايشتها خلال فترات وجيزة، ويستطيع أيضاً أن يكون على علم تام بأهمية المراحل التي تعتبر بمثابة الانتقالية الجذرية لتاريخها. وقادرًا على أن يميز هذه المراحل وما سبقها من ظروف وتحديات.
دعونا نسترجع من خلال الذاكرة الجمعية معاً فترات مهمة و عصيبة كانت مراحلها تعايش وقوفاً قوياً ضد المرأة، وعرقلة مسيرتها، من خلال إلباس قضاياها صبغة شرعية أو تقليدية، حتى يتسنى معارضة انطلاقة تنميتها وتطورها. فمعظمنا، إن لم يكن جميعنا، يعلم مدى الحملة الغاضبة التي شُنت ضد تعليمها، وضد مبدأ ذهابها للمدرسة والتعلم، وما صاحب هذه المرحلة من أقاويل وإدعاءات وافتراءات من شأنها أن تُجفل أي مقدم على منح بناته الأهلية التعليمية، ثم باتوا يتسابقون بعد ذلك في إيجاد المقاعد لبناتهم، بعد فترة ليست طويلة من الغضب المنصب على هذه الخطوة. وتجدد غضب الدراسة بالتحديد عندما أرادت الجهات التعليمية – آنذاك – إدخال بعض المناهج العصرية التي تواكب التطور العلمي في العالم..! ولعلي استشهد ببعض ما كتب في ذلك الوقت حول هذه القضية على سبيل المثال لا الحصر :”فجانا خبر فادح ومصيبة عظيمة، وطامة كبرى، ألا وهي: فتح مدارس لتعليم البنات… أيها المسلمون، يا أهل الغيرة والأنفة، اسمعوا لهذا التصريح الشنيع الذي يقصد منه إرغام أهل الخير، ومجاراة الأمم المنحلة، في تعليم بناتكم الحساب والهندسة والجغرافيا، ما للنساء وهذه العلوم، تضاف إلى ما يزيد على أحد عشر درسا، غالبا لا فائدة فيها، إنها لمصيبة وخطر عظيم على مجتمعنا. إن تعليم المرأة على هذه الصفة، هو مصدر انحطاط الأمة، وسقوط في الهاوية، إن هذا التعليم سبب لتمرد المرأة وخروجها عن تعاليم دينها”[1].. ويعارض آخر بطريقته: “… كثيراً ما نسمع كلمات حول تعليم البنات، وفتح مدارس لهن، وكنا بين مصدق ومكذب حتى تحقق ذلك رسميًا، فاستغربنا هذا، وأسفنا له غاية الأسف… وإني أنصح لكل مسلم: أن لا يدخل ابنته أو أخته في هذه المدارس التي ظاهرها الرحمة، وباطنها البلاء والفتنة، ونهايتها السفور والفجور وسقوط الأخلاق والفضيلة”[2].. لاحظوا معي حدة الخطاب، وكيفية الإسقاطات المرسلة من خلاله، والذي لاقى الكثير من التأييد له، والخوف من الاستمرار من التعليم.. ثم عادت الأمور جلياً كسابقتها..
ومن المؤكد أن ترسيخ المعايير الثقافية والاجتماعية والأخلاقية لأي مجتمع؛ ليس عملية سهلة، وإنما هو مخاض عسير ، ولكن نجد أن العملية تصبح أكثر تعقيداً عندما يتكرر الأمر بشكل مغاير، فالمرأة التي عانت من أجل أن تتعلم هي ذاتها التي عانت عندما أرادت أن تؤدي رسالتها وتعلم بنات وطنها، فواجهت الحملة “المماثلة” المعارضة لذلك، وتلك الفتاوى التي كفرت.. و الخطابات التي هددت وتوعدت من هذه الخطوة، وإنها باب لضياع المرأة لخروجها من منزلها .. اليوم، الكل يبحث عن الشفيع، للظفر بهذه الوظيفة لمن حوله، وهي أقوى شاهد لما يحدث في كل مرحلة من ممانعة.. ثم بحث ومطالبة !
وخلاصة القول تكمن في بيت القصيد المتعلق بملف الابتعاث، وأقصد تحديداً دراسة المرأة في الخارج، وما قيل حوله من تغريب وسفور مما جعل المبتعثات بين المطرقة والسندان ، والمثير للانتباه أن هذا الملف شهد تلك المعارضة ذاتها في بداياته.. ثم عاد لمضمار التسابق إلى الظفر به ولكن .. على استحياء! غداً، ستعود بناتنا ليكملن مسيرة التطوير، وعكس الزاوية التنموية لتعليمهن .. وضخ كل خبراتهن داخلياً .. وستكون هناك ألف “خولة الكريع”، و”ريم الطويرقي”، و”عايدة العقيل” …
تتمة:
قضاياها لن تقف عند الابتعاث .. فالقائمة تطول !!
1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية ، ج16 ، ص:71
2) السابق , ج 16, ص: 83
التعليقات اترك تعليقك على المقال تعليق واحد
حقيقة قرأت موضوعك، وأعجبني العمق الذي تكلمت به وربطك بدايات الأمور بمآلاتها، وأعجبني تعريجك على أن ترسيخ المعايير لأي مجتمع تمر بمخاض عسير كل مرة، لكن ومما اكتشفته من تجاربي أننا (كمجتمع) أمعنا في حماية المرأة حتي أضعفناها بل وصل بنا الأمر إلى تعطيلها. وأن ترسيخ الأخلاق والمفاهيم داخل المرأة بالدين والعلم هو ما يحميها ليس الحدود المادية التي أحطناها بها. فالأمثلة تتجاوز الحصر حينما ندخل الأسوار المغلقة لنجد فساداً ينخر مجتمع المرأة، لأن الحماية المادية (والوصاية الظالمة) ليست دائماً تثمر صلاحاً ونهضة أخلاقية وحضارية. وإنما الصلاح والنهضة تنبع من الحماية الذاتية والمراقبة الداخلية سواء للرجل أو للمرأة.
كل التوفيق لك أخي أمجد